الأخبار

من إدلب إلى طرابلس: إرهابيون في مزاد المصالح التركية

أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يحث على تفكيك حكم الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس،عن قلقه من تدفق المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا، محذّرا من تدهور الأوضاع هناك، وهي تصريحات تؤكد ما نقلته تقارير إعلامية، كانت تحدثت عن نقل تركيا عناصر إرهابية من الشمال السوري إلى غرب ليبيا للوقوف إلى جانب حكومة الوفاق والميليشيات المسلحة التي تتخفى وراءها في مواجهة الجيش الليبي وعملية طوفان الكرامة، بهدف عرقلة جهود تطهير العاصمة من الإرهاب.

حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخميس الماضي من روما عن نقل مسلحين متشددين من إدلب السورية إلى غرب ليبيا، لم يأت من فراغ، فسلطات بلاده تمتلك من المعطيات الاستخباراتية ومن العيون والأسماع في الشمال السوري، ما يعطيها القدرة على متابعة ما يدور على الأرض خصوصا عندما يكون الأمر يتعلق بنقل مئات المقاتلين إلى داخل الأراضي التركية ومن ثمة تسفيرهم إلى طرابلس ومصراتة ليشاركوا في التصدي لعملية “طوفان الكرامة” التي أطلقها الجيش الوطني الليبي في الرابع من أبريل الماضي لتحرير العاصمة طرابلس من الإرهاب.

ما ورد على لسان بوتين يتطابق تماما مع ما تم تسريبه في مايو الماضي، من أن المهدي المجربي مبعوث المجلس الرئاسي في الأمم المتحدة وجه رسالة سرية إلى وزير خارجية حكومة الوفاق الليبية محمد الطاهر سيالة حول الإحاطة التي تقدم بها المبعوث غسان سلامة إلى مجلس الأمن في جلسة مغلقة، جاء فيها أن سلامة تحدث عن توافر معلومات استخباراتية تفيد باستعانة أحد طرفي القتال بمجموعات إرهابية من مدينة إدلب السورية.

وذلك في إشارة منه إلى أطراف موالية لحكومة الوفاق الوطني، التي أكدت تقارير غربية صادرة مؤخرا عملها على استجلاب ما تبقى من إرهابيين في هذه المدينة الواقعة على الحدود التركية عبر تركيا، حتى أن بعض التقارير تحدثت عن وصول بعضهم بالفعل عبر رحلات بحرية وجوية وصلت من مدن تركية إلى طرابلس ومصراتة.

عبدالهادي الحويج: لدينا معطيات كاملة عن نقل إرهابيين من إدلب إلى غرب ليبيا

ورغم أن سلامة نفى لاحقا أن يكون أدلى بتلك المعلومات إلا أن لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب الليبي دعت الأسبوع الماضي الرباعية الدولية الخاصة بليبيا (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي) إلى اتخاذ موقف علني ضد سعي تركيا لاستنساخ التجربة السورية في ليبيا، ومنعها من استمرار تدخلها في الشأن الليبي، ما يهدد استقرار أمن المنطقة، مؤكدة مضي الجيش الليبي في معركته للقضاء على الإرهاب في وقت تعرضت فيه عدة مواقع تابعة لهجمات من تنظيم داعش في الأسابيع الأخيرة منذ تحركه نحو طرابلس.

مشروع ميليشياوي بدعم تركي

تحدثت لجنة الدفاع والأمن القومي عن وصول إرهابيين من مدينة إدلب السورية ينتمون إلى “جبهة النصرة” الإرهابية للقتال إلى جانب “ميليشيات طرابلس” متهمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنقل مقاتلين أجانب من سوريا إلى ليبيا وفقا لبيان صادر عن اللجنة.

ووفق مسؤولين ليبيين، فإن المسلحين القادمين إلى بلادهم من إدلب، ينتمون إلى جنسيات مختلفة من بينها الجنسيات التونسية والمصرية والسودانية والسورية والعراقية والمغربية، ومن بينهم خبراء في التدريب والتفجير وانتحاريون يتم إعدادهم لتنفيذ عمليات إرهابية لاستهداف تجمعات الجيش والمنشآت الحكومية.

وقال وزير الخارجية للحكومة الليبية المؤقتة عبدالهادي الحويج لـ”العرب” إن “لدينا معطيات كاملة وأدلة موثقة عن نقل إرهابيين من إدلب إلى غرب ليبيا، وسنستظهر بهذه الأدلة في الوقت المناسب” لافتا إلى أن “موضوع تسفير مقاتلي جبهة النصرة من الشمال السوري إلى الأراضي الليبية ليس جديدا، وتم التطرق إليه سابقا، لكن أن يتحدث عنه الرئيس الروسي، باعتباره رئيس دولة كبرى وذات عضوية دائمة في مجلس الأمن ولها دور محوري في المنطقة، فإن ذلك يمثّل تأكيدا مهما لما سبق الحديث عنه”.

وأوضح الحويج أن هذا التأكيد الروسي يثبت مرة أخرى أن العالم بات يدرك حقيقة ما يدور في غرب ليبيا، فالجيش الليبي يواجه جماعات إرهابية من الداخل والخارج، تجد للأسف الحماية والرعاية من حكومة تقول إنها حكومة شرعية تدافع عن المدنية والديمقراطية، وهي رهينة لمشروع ميليشياوي إرهابي مدعوم من قوى إقليمية في مقدمتها تركيا وقطر.

ووفق الحويج، فإن القوات المسلحة الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر تقوم حربها ضد الإرهاب، نيابة عن العالم، بينما يعتبر الإرهابيون أن معركتهم في ليبيا هي التي ستحدد مصيرهم في المنطقة والعالم، وتمثل بالنسبة لهم معركة وجود، لذلك يجدون الدعم الكامل من محور الإسلام السياسي الذي يراهن على ليبيا كبيت مال وكمنطلق للتوسع في بلدان الجوار بما في ذلك دول الضفة الشمالية للمتوسط.

وكانت تقارير إعلامية قالت في يناير الماضي أن تركيا تهدف إلى نقل مرتزقة من مجموعاتها في محافظة إدلب السورية، إلى ليبيا للقتال ضد الجيش الوطني الليبي، ونقلت عن مصدر من إدلب أن الاحتلال التركي يهدف إلى نقل مرتزقة من المجموعات التابعة له في إدلب ومنها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) إلى ليبيا للوقوف ضد الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، لافتا إلى أن المجموعات ما زالت لم توافق على ذلك.

مصطفى الزائدي: الأتراك والقطريون والإخوان هرعوا لنجدة الميليشيات

وفي 19 أبريل الماضي، نقلت صحيفة “روناهي” الكردية السورية عن مصادر في إدلب أن النظام التركي دعا مسلحين في إدلب إلى المغادرة نحو ليبيا، وهو ما فسره المراقبون بأنه أمر منتظر خصوصا وأن عددا كبيرا من المقاتلين الذين وصلوا إلى سوريا بداية من العام 2012 تم تسفيرهم من ليبيا.

وفي هذا السياق، يرى أمين اللجنة التنفيذية للحركة الوطنية الشعبية الليبية مصطفى الزائدي أن الإرهابيين لا يؤمنون بالحدود ولا بالدول الوطنية، فمشروع الإخوان الذي يشكل قاعدة انطلاقهم وحاضنتهم ومظلتهم، تنظيم عابر للحدود.

ويضيف الزائدي “عندما بدأ الإرهابيون في التجمع في سوريا كانت قاعدة انطلاقهم ودعمهم الرئيسية ليبيا الخاضعة للإخوان، فلقد شكل مهدي الحاراتي ما عرف بلواء الأمة بتمويل ليبي ومن عناصر كلها جاءت من ليبيا، ونذكّر بتبرع رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبدالجليل بدعم قيمته 250 مليون دولار، وحتى عبدالله ناكر (أحد القادة العسكريين للثوار في 2011) أدلى بدلوه، فزيارته إلى تركيا وشمال سوريا وتبجحه بنقل أسلحة ومئات الملايين من الدولارات إلى من أسماهم ثوار سوريا لا تزال ماثلة في الأذهان ومسجلة بالصوت والصورة”.

ويتابع الزائدي “لقد كان تجنيد الإرهابيين من تونس والجزائر وأفريقيا يتم في طرابلس وبنغازي ودرنة والزاوية ومصراته وصبراته ومن ثم ينقلون إلى تركيا ومنها إلى سوريا، وهذا أمر معلوم ومنشور عنه الكثير”. مضيفا “الآن الطريق في الاتجاه المعاكس، حيث يرون أن قاعدة الإرهاب في شمال أفريقيا تتهاوى، فهرع الأتراك والقطريون والإخوان وأتباعهم لنجدة الميليشيات التي تلفظ أنفاسها الأخيرة”.

كان المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الليبي اللواء أحمد المسماري، قد كشف في منتصف أبريل الماضي عن قيام النظام التركي بنقل إرهابيين من تنظيم “جبهة النصرة” الإرهابي إلى جبهات طرابلس لمواجهة الجيش الليبي، مشيرا إلى أن قوات المشير خليفة حفتر “تحارب دولا تقف وراء الميليشيات والتنظيمات الإرهابية في ليبيا”.

التصدي لعملية طوفان الكرامة

قال مصدر أمني من داخل طرابلس لـ”العرب” إن “هناك مسلحين أجانب من جنسيات مختلفة تشارك في التصدي لعملية «طوفان الكرامة» وقد تم نقلهم من شمال سوريا إلى غرب ليبيا عن طريق مطاري مصراتة وطرابلس، من بينهم عرب وقوقازيون وأفارقة، وأضاف المصدر الذي رفض الإفصاح عن هويته لأسباب تتعلق بأمنه الخاص، أن إرهابيين آخرين من تنظيمي القاعدة وداعش كانوا محتجزين في سجون طرابلس أطلق سراحهم وهم الآن يقاتلون إلى جانب الميليشيات، ومنهم من شارك في عملية الهجوم على مدينة غريان في 26 يونيو الماضي.

الميليشيات تخدم المشروع الإخواني في ليبيا
الميليشيات تخدم المشروع الإخواني في ليبيا

وقد أكد عضو البرلمان الليبي علي السعيدي تلك المعلومات عندما أوضح إن “نقل الإرهابيين ليس بجديد ومنذ فترة يتوافد الكثير من الإرهابيين من تركيا عبر طرابلس ومصراتة لمحاربة الجيش الوطني الليبي في طرابلس وإعاقة تقدمه نحو وسط العاصمة الليبية طرابلس”. وأضاف أن “هذه الجماعات موجودة الآن في محاور القتال وتحارب الجيش الوطني الليبي تحت حماية الدولة المدنية”، مؤكدا أنه “تم السبت القبض على إرهابي تونسي في محور القتال بمنطقة وادي الربيع جنوب العاصمة طرابلس”.

ويرجع المراقبون نقل الإرهابيين من شمال سوريا نحو الغرب الليبي إلى رغبة الأتراك في التخلص من أجوار مزعجين يهددون أمنهم، وفي نفس الوقت الاستفادة منهم في الدفاع عن مصالح نظام أردوغان في ليبيا والممثلة بالأساس في تحصين حكم الميليشيات باعتباره يساعد على التمكين ليس لحكومة الوفاق وإنما لتيار الإسلام السياسي وللوبيات الجهوية في مصراتة المرتبطة ثقافيا وتاريخيا وعرقيا بالدولة العثمانية، كما أن تحويل ليبيا إلى بؤرة لتجمعات الإرهابيين يمكن أن يخدم المشروع الإخواني في دول الجوار الليبي، وهو مشروع متحالف ضمنيا مع النظام التركي حتى أنه يرى فيه حاليا مرجعيته الفكرية والعقائدية وراعيه الأبرز إقليميا ودوليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى