صحيفة شبوه نت

تخبط وتضليل وخيبة أمل.. إخوان ليبيا في مواجهة طوفان الكرامة

تخبط وتضليل وخيبة أمل.. إخوان ليبيا في مواجهة طوفان الكرامة

الشارع الليبي يرفض مشروع الإخوان باعتباره السبب الأول لأزمة البلاد، وعملية طرابلس تضيق الخناق على ميليشيات الإسلام السياسي.

في مقر حزب العدالة والبناء الواقع في شارع الجرابة وشارع بن عاشور في العاصمة طرابلس، تتوالى الاجتماعات الطارئة لقيادات الإخوان للبحث عن مخرج عاجل من بين فكي الكماشة اللذين وقع بينهما التنظيم. والاتصالات بين رئيس الحزب محمد صوان ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج لا تنقطع، فالرجلان يعتبران نفسيهما في مركب واحد، غير أن صوان يبدو أقرب إلى الفرار إلى مسقط رأسه مدينة مصراتة ومنها إلى تركيا التي يعتبرها عاصمة الخلافة الجديدة.

الحزب الإخواني شكّل لنفسه غرفة عمليات، وخلية أزمة تضم عددا من قادة الميليشيات والخبراء في الأمن والاستخبارات والمتخصصين في التضليل الإعلامي إلى جانب المسؤولين عن التمويل ممن تم غرس بعضهم في جهات نافذة من بينها المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وعدد من البنوك التجارية، ووفق مصادر مقربة منه، فإنه طالب بمساعدات عاجلة من تركيا وقطر ومن التنظيم العالمي ليمارس ضغوطه على عواصم بعينها لتضغط بدورها على  القيادة العامة للجيش الوطني من أجل إيقاف طوفان الكرامة الذي يكاد يجرف الجميع.
المشكلة الكبرى لإخوان ليبيا أنهم يواجهون لحظة تحديد المصير، ليس بالنسبة لهم فقط وإنما بالنسبة لمشروع الجماعة في المنطقة العربية ككل، فالجيش الزاحف بكل أفارده وعتاده على العاصمة، يمثّل بالنسبة لهم  العدو الأكبر الذي لا ينسى تآمرهم ضده ولا تحالفهم مع كل القوى التي واجهها في بنغازي ودرنة والهلال النفطي والجفرة والجنوب، ومع الميليشيات التي يحاربها اليوم في المناطق المحيطة بالعاصمة. كما لا يتسامح مع تبعيتهم للقوى الخارجية التي تقف وراء مشروع الفوضى في المنطقة منذ العام 2011، ولا دورهم في حالة الخراب التي عرفتها ليبيا من سفك دماء الأبرياء وتدمير مؤسسات الدولة ونهب المال العام وتهديد النسيج الاجتماعي والتلاعب بوحدة المجتمع وأمن البلاد وسلامة أبنائه.
وما يثير رعب الإخوان في طرابلس، إدراكهم أن هناك شيئا ما يدور بالقرب منهم، بل ويلاصقهم، إنه الدعم الكبير الذي يبديه عسكريون وأمنيون ومسؤولون في حكومة الوفاق ومؤسساتها وحتى في الميليشيات، نحو الجيش، وهو دعم يمتد إلى الشارع الطرابلسي الذي يرفض مشروع الجماعة، ويرى فيه السبب الأول لما يحدث في البلاد وعاصمتها. فإخوان ليبيا مرتبطون بالخارج أكثر من الداخل، وأغلب  قياداتهم كانت تعمل لحساب أجهزة أجنبية، وهم اليوم يستقوون بنظرائهم في دول الجوار، وبعرابيهم في قطر وتركيا إلى جانب داعميهم في بريطانيا وإيطاليا وبعض اللوبيات الأميركية.

جماعة الإخوان الليبية أمام تحديات حقيقية فهي  لم تستطع أن تحول المعركة إلى صراع عقائدي أو جهوي أو قبلي

وإلى وقت قريب، كانت لهم ضمانات بعدم اقتراب الجيش من طرابلس، بعضها كان من الجار الجزائري الذي يعتبر نفسه أقرب إلى علي الصلابي وعبدالحكيم بالحاج ومحمد صوان من قربه إلى خليفة حفتر وقادة الجيش، وذلك لأسباب يعتبرها الجزائريون داخلة ضمن رؤيتهم الاستراتيجية والجيوسياسية إلى المنطقة وفي مواجهة أي قوة صاعدة في شمال أفريقيا، وخاصة عندما تكون من مصر وحلفائها. غير أن جزائر اليوم ليست جزائر الأمس القريب، والقائمون على شؤون مرحلتها الانتقالية الحالية باتوا يرون أن توحيد ليبيا تحت لواء جيش قوي قادر على ضبط الحدود، ومواجهة الإرهاب، يمثّل ضمانة مهمة لها، حتى لا تكون حدودها الغربية منطلقا للمرتزقة والسلاح وكل مكونات الدعم اللوجيستي لمن يحاولون نزع البلاد من ربيعها الخاص والدفع بها نحو امتدادات الربيع العربي الذي كان وراء حالة الخراب في عدد من دول المنطقة.
إخوان ليبيا كانوا يعتمدون كذلك على الدعم البريطاني الذي طالما كان جزءا مهما من تحركهم منذ عقود طويلة، خصوصا وأن لندن فعلت كل شيء لتسيطر على غرب ليبيا عبر الإسلاميين إلى درجة الاعتذار لزعيم الجماعة الليبية المقاتلة عبدالحكيم بالحاج عن تسليمها إياه للنظام السابق في 2008 وتقديم تعويضات لزوجته، ثم الانطلاق في تزعم ما تسميه مرحلة الإصلاحات الاقتصادية في ليبيا.
غير أن الحكومة البريطانية اصطدمت بالموقف الروسي في مجلس الأمن، كذلك الأمر بالنسبة لإيطاليا صديقة الميليشيات والإخوان ضمن تحالفاتها مع قطر للسيطرة على ليبيا عبر بوابة طرابلس وبتوافقات مع إخوان تونس الذين أبدوا بدورهم غضبا ضد الجيش الوطني الليبي يكشف عن عجزهم عن فهم طبيعة التحولات الجديدة التي تدور حولهم، خصوصا وأن الجيش الليبي سيكون خلال المرحلة القادمة المؤتمن على الحدود المشتركة مع بلادهم، وهو ما تدركه جيدا الدولة التونسية العميقة، ومؤسساتها التي واجهت خلال السنوات الماضية، الكثير من المخاطر بسبب الميليشيات المنفلتة في الجار الشرقي.
تشير المصادر من داخل جماعة الإخوان الليبية إلى أنها تواجه حاليا حالة من التخبط نتيجة الخوف من الاجتثاث والاستئصال، وقد وجدت نفسها أمام تحديات حقيقية، أغلبها يدعوها إلى المغادرة في اتجاه مصير إخوان مصر، خصوصا وأنها لم تستطع أن تحول المعركة إلى صراع عقائدي أو جهوي أو قبلي. فالعسكريون النظاميون يمثلون كل قبائل ليبيا، وجانب كبير منهم هم من أبناء طرابلس والمنطقة الغربية، وبعضهم ممن تم تهجيرهم في العام 2011 من مدنهم وقراهم وملاحقتهم بدعوى أنهم من الجيش السابق، ومنهم من عانى طويلا في سجون الميليشيات ومنهم من رأى رفاقه يموتون أمامه تحت تكبير الإخوان والقاعدة والمرتزقة الأجانب.
مع تدشين عملية “طوفان الكرامة” انطلقت أصوات الإخوان في كل مكان، فهذا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يتزعمه أحمد الريسوني ويتخذ من الدوحة مقرا له، يرى  أن تحرك قوات الجيش الليبي صوب العاصمة طرابلس “عدوان غاشم ومؤامرة مدعومة بأموال عربية”، ويفتح باب الجهاد لعناصر الإرهاب من خلال اعتبارهم أن موقف الجيش “من الفساد في الأرض والبغي والعدوان الذي يجب صده ومواجهته”.
معركة طرابلس ستأذن بإعادة ليبيا إلى أهلهامعركة طرابلس ستأذن بإعادة ليبيا إلى أهلها
ذات الأمر بالنسبة لمفتي حكومة الوفاق، الصادق الغرياني المقيم بدوره في تركيا، والذي تحدث من على شاشة قناة “التناصح” التي يديرها نجله سهيل من إسطنبول بتمويلات قطرية داعيا “أهل طرابلس إلى ألا يستسلموا لعدوهم لأنه سيفعل بهم ما فعله في مرزق ودرنة وقفنودة وغيرها”، داعيا الليبيين جميعا إلى أن يخرجوا إلى الميادين بالآلاف كما خرج أهل الجزائر ويقفوا سدا منيعا في وجه التهديدات المحدقة في طرابلس.
الواقع أن الاتحاد العالمي لعلماء الإخوان ومفتي حكومة الوفاق، وكلاهما مصنف في دول عربية ضمن الكيانات والشخصيات الإرهابية، يبدوان منفصلين عن الواقع الليبي وعن موقف الشعب الذي لا يزال يعيش مأساته منذ عام 2011، وعن حالة العاصمة وسكانها تحت سيطرة الميليشيات التي تتحكم في مؤسسات الدولة وتتلاعب بالمال العام.
وأوضح نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، علي القطراني، في خطاب استقالته الأحد الماضي أن المجلس تحول إلى “أداة ضعيفة طيعة” بيد الميليشيات لتمكينها من “الترهيب والسطو والسيطرة على موارد الدولة وثروات الشعب”، مباركا  تقدم الجيش الوطني الليبي نحو العاصمة طرابلس، لتخليصها من التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، التي أفسدت الحياة السياسية، وأفشلت المراحل الانتقالية، وأهدرت بشكل ممنهج ثروات الليبيين، واستهانت بكرامتهم وإنسانيتهم، ومارست أبشع صور الظلم والجور. وشدد على  أن “الميليشيات المؤدلجة والجماعات التابعة للإخوان، هي التي تقود المعركة ضد قوات الجيش الوطني الليبي داخل طرابلس، بتمويل من المجلس الرئاسي”.
ولكن يبدو أن صراخ إخوان ليبيا وجد صداه لدى حلفائهم من تنظيم القاعدة، فاليوم ظهرت وجوه عدة لشخصيات واقعة تحت عقوبات دولية وعربية وحتى ليبية، لتقود المعارك في الساحات إلى جانب الميليشيات، فقوات ما يسمى سرايا الدفاع عن بنغازي ومجلسي شورى المجاهدين في درنة وبنغازي، ومسلحو إبراهيم الجضران، وكتائب أنصار الشريعة في مصراتة والزاوية، وفلول تنظيم القاعدة وداعش الفارون من سرت، جميعهم عادوا إلى ميدان القتال، وبنفس صراخ 2011 انطلقت ماكينة الإخوان في الداخل والخارج، لتواجه الجيش بالتضليل الإعلامي والأكاذيب والدعوات إلى الموت في سبيل الحرية والدولة المدنية التي يزعم الإخوان الإيمان بها والعمل على تكريسها.
لكن بالمقابل، يرى المراقبون أن معركة طرابلس ستأذن بإعادة ليبيا إلى أهلها، وبالقطع مع فكرة ليبيا بيت مال الإخوان،  فتحرير وتطهير طرابلس، هو تحرير وتطهير لكامل المنطقة المحيطة بها، من مؤامرات قوى الإسلام السياسي. وكما أكد السياسي اليمني حسين لقور بن عيدان عندما صرح بأن “هزيمة الإخوان المسلمين في ليبيا هي طي صفحة تاريخية في الوطن العربي وبداية لإعادة ترتيب وضع الأمة العربية بعد أن تمت خلخلة استقرارها في العشرين سنة الأخيرة”.