هزيمة ثلاثية استثنائية لتريزا ماي في البرلمان

هزيمة ثلاثية استثنائية لتريزا ماي في البرلمان

أول حكومة في التاريخ البريطاني تتهم بازدراء البرلمان، وخطة البريكست تواجه انتقادات من حلفاء ماي ومعارضيها.

لندن – تعرض اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع زعماء التكتل لانتقادات من حلفائها ومعارضيها على السواء بعدما اضطرت الحكومة إلى نشر المشورة القانونية التي تظهر أن المملكة المتحدة يمكن أن تدور لأجل غير مسمى في فلك الاتحاد الأوروبي. وبعد سلسلة من الهزائم البرلمانية المذلة التي منيت بها ماي الثلاثاء والتي تلقي بظلال جديدة من الشك على قدرتها على إقرار اتفاق الانسحاب، قال بنك جيه.بي مورجان الاستثماري إن فرص إلغاء الاتفاق كلية زادت.

بعد تأخير عدة ساعات انطلقت الأربعاء أول أيام المشاورات حول خطة ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي. واستهل مجلس العموم البريطاني المناقشات بالتصويت على اتهام حكومة ماي بازدراء البرلمان. وتم تقويض سلطة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بشكل كبير بعد أن حظي العضو البرلماني من حزب المحافظين دومينيك غريف بالدعم لإجراء تعديل على قانون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، حيث صوّت أعضاء مجلس العموم البريطاني بأغلبية 321 صوتا مقابل 299 لصالح إجراء التعديل.

ودعم مؤيدو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذا التعديل في خطوة يأملون أن تسمح لهم بطلب دعم البرلمان لبدائل نهج ماي. وتم دعم تعديل غريف من قبل الحزب الاتحادي الديمقراطي و26 من “متمردي” حزب المحافظين، بما في ذلك العديد من وزراء الحكومة السابقين، وبعضهم من الموالين السابقين، مثل داميان غرين ومايكل فالون. وكنتيجة لذلك خسرت الحكومة بـ299 صوتا مقابل 321 صوتا.

وقال غريف “بدأ النواب يستعيدون السيطرة من جديد. لم يعد من المقبول التقليل من إرادة البرلمان، التي تعكس إرادة الشعب. يجب على البرلمان الآن أن يستعيد السيطرة ومن ثم يعيد القرار النهائي إلى الجمهور”.

وصف الوزير المكلف بملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كير ستارمر، هذه الهزيمة بأنها “شارة عار” بالنسبة للحكومة. يقول ستارمر “في ظل ازدراء البرلمان، أثبتت الحكومة أنها فقدت أغلبيتها واحترامها في المجلس. لا تستطيع رئيسة الوزراء الاستمرار في دفع البرلمان جانبا أو تجنب مواجهة التحقيق المسؤول”.

 وستحدد المناقشات والتصويت النهائي في 11 ديسمبر كيف ستغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي في 29 مارس، في أكبر تحول في السياسة الخارجية والتجارية في البلاد منذ أكثر من 40 عاما. وقد تؤدي الهزائم التي تلاحق تيريزا ماي إلى زيادة الدعوات التي تتطلع إلى إجراء استفتاء ثان على الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد مرور ثلاث سنوات على بدء التصويت بالمغادرة.

وترغب رئيسة الوزراء التي تضع مسيرتها على محك ما ستخرج به المفاوضات، في الحصول على موافقة البرلمان على اتفاقها من أجل الحفاظ على علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي بعد مغادرته في مارس المقبل، لكن يبدو أن المعارضة شرسة جدا، حيث تواجه ماي جبهة معارضة توحدت فيها أراء المنتقدين والحلفاء.

يقول المشككون في الاتحاد الأوروبي إن هذه الصفقة من شأنها أن تجعل بريطانيا دولة تابعة، بينما يتخذ مؤيدو الاتحاد الأوروبي خطا مشابها، قائلين إنه سيتعين عليهم الالتزام بقواعد العضوية مع التخلي عن الفوائد.

وقال وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، كبير مؤيدي بريكست، إن الاتفاق كان “إهانة وطنية واستهزاء بأصوات الجماهير لمغادرة الاتحاد الأوروبي”، فيما قال نايجل دودز، نائب زعيم الحزب الديمقراطي الأيرلندي الشمالي، أحد حلفاء ماي في الحزب، إنهم سيصوتون ضد صفقتها، كما صوّتوا ضد الحكومة بشأن قضية ازدراء البرلمان، وإن كان دعم الحزب لحكومة ماي ما زال قائما.

مستقبل ماي والحكومة

المناقشات والتصويت النهائي في 11 ديسمبر سيحددان كيف ستغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي في 29 مارس، في أكبر تحول في السياسة الخارجية والتجارية في البلاد منذ أكثر من 40 عاما
المناقشات والتصويت النهائي في 11 ديسمبر سيحددان كيف ستغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي في 29 مارس، في أكبر تحول في السياسة الخارجية والتجارية في البلاد منذ أكثر من 40 عاما

استهلت تيريزا ماي نقاشها بخطاب وصفه البعض في وستمنستر، بالمسودة الأولى لوفاتها السياسية، وبأنه يرسم مستقبلا مبهما لحكومتها. سعت ماي في خطابها إلى أن تظهر قوة ورباطة جأش في مواجهة سيل الاتهامات والضغط من قبل المعارضين لخطتها من جهة والمعارضين للخروج من الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

استهلت ماي خطابها بنبرة هادئة تحدثت عن الطريق الذي سلكته على مدى عامين، والذي فقدت على امتداده “الكثير من الزملاء الأعزاء. وواجهت انتقادات شديدة من جميع الجهات”، ثم تحدثت بنبرة أشد حدة عن الحاجة “إلى خروج من الاتحاد يحترم قرار الشعب البريطاني”، مشيرة إلى أنه إذا لم يدعم أعضاء مجلس العموم خطتها المطروحة للنقاش “فبوسعهم فتح الباب لخروج بريطانيا دون إجراءات لتيسير المرحلة الانتقالية أو احتمال عدم إتمام الخروج”. وتوعدت رئيسة الوزراء بأنه لا يوجد بديل يمكن أن يحظى بتأييد شعبي.

وحذرت ماي من أن “رفض صفقة الخروج سيكون محفوفا بالمخاطر”. وقالت “لقد استمر الجدال بشأن هذه الصفقة لفترة كافية، وإن تغير الوضع فسوف يؤثر ذلك بالسلب على حياتنا السياسية”.

لكن ردّ زعيم حزب العمّال جيريمي كوربين على رئيسة الوزراء بأنه عليها الحصول على اتفاق أفضل أو التنحي وترك الحكم للحزب المعارض.ووصف الإعلان السياسي المصاحب لاتفاقية الانسحاب المكونة من 585 صفحة بأنه “قائمة أمنيات غامضة للغاية”.

وقال كوربين “ما زلنا لا نعرف ما ستبدو عليه علاقتنا طويلة الأجل بأوروبا، ولهذا السبب فإن العديد من النواب في البرلمان لا يرغبون في التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومواجهة هذا المستقبل الغامض الذي ينتظر بريطانيا”.

وقال المتحدث باسم ماي للصحافيين إن التطورات الأخيرة “لن تغير شيئا من الموقف الواضح للحكومة بأن المادة 50 لن يتم إلغاؤها”، فيما قال عضو البرلمان المحافظ سام غييما، الذي استقال من منصبه كوزير الجمعة بسبب اتفاق ماي “لا يمكن لنا أن نقول إما أن ننجز اتفاق رئيسة الوزراء وإما نتعرض للفوضى. يجب أن ننظر إلى جميع الخيارات وألا نحصر أنفسنا بين هذين الخيارين فقط”.

وإذا فازت ماي في الانتخابات التي ستُجرى في 11 ديسمبر، فإن بريطانيا ستغادر الاتحاد الأوروبي في 29 مارس بناء على الشروط التي تفاوضت ماي عليها مع بروكسل. لكن إذا خسرت، يمكن أن تطالب ماي بإجراء تصويت ثان على الصفقة.

لكن الهزيمة من شأنها أن تزيد من فرص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون “عقد أي اتفاق”، وهو ما قد يعني انتشار حالة من الفوضى بالنسبة للاقتصاد والتجارة في بريطانيا، ووضع ماي تحت ضغوط قوية للاستقالة.

المشورة القانونية

كان لافتا في متابعة الصحافة البريطانية، تسليطها الضوء على نقطة تهمة “ازدراء البرلمان” التي افتتحت بها ماي المناقشات. وسحبت هذه التهمة الضوء من بقية تفاصيل المناقشات والجدل الدائر حول فوضى ما بعد بريكست. لأول مرة في تاريخ بريطانيا تتهم حكومة بازدراء البرلمان، بل إن بعض المراقبين انتقدوا حتى أسلوب الخطاب والتواصل.

وفي سلسلة غير معتادة من الأحداث، اتحدت مجموعة من نواب ستة أحزاب معارضة في البرلمان مطالبة باتخاذ الإجراءات اللازمة عندما رفض الوزراء نشر المشورة القانونية المقدمة بشأن اقتراح ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي. وتمت برمجة نقاش عاجل حول القضية المطروحة كرد على هذه المعضلة. ويمكن أن ينتهي الأمر بتعليق عضوية وزير حكومي كبير ينتمي إلى مجلس العموم البريطاني.

تأتي هذه الخطوة الدراماتيكية بعد أن رفض الوزراء الامتثال إلى تصويت مُلزم في مجلس العموم قائلين إنه ينبغي عليهم نشر كامل المشورة القانونية التي تحصلوا عليها بشأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكان مجلس العموم وافق، الشهر الماضي، بالإجماع على اقتراح حزب العمال البريطاني الإفراج التام عن المشورة التي قدمت إلى الوزراء بشأن اتفاق الانسحاب المقترح الذي يشرح طبيعة العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.

الهزيمة من شأنها أن تزيد من فرص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون عقد أي اتفاق، وهو ما قد يعني انتشار حالة من الفوضى بالنسبة للاقتصاد والتجارة في بريطانيا، ووضع ماي تحت ضغوط قوية للاستقالة

ومع ذلك، فإن رد الحكومة جاء، الاثنين، بنشر ملخص من مجموع 43 صفحة من المشورة. وبالإضافة إلى ذلك فقد تم اعتماد خطوة غير عادية تمثلت في إرسال المدعي العام جيفري كوكس إلى مجلس العموم وذلك للإجابة على أسئلة النواب لمدة 3 ساعات قائلا إن النشر الكامل للمشورة لن يكون ملائما مع المصلحة الوطنية. كما رجح البعض أن المشورة القانونية الكاملة التي قدمت للوزراء قد تصل إلى عدة آلاف من الصفحات.

وقالت أحزاب المعارضة، والحزب الديمقراطي الاتحادي، إنه يجب منح التصويت إلى النواب في أقرب فرصة ليقرروا ما إذا كانت الحكومة ارتكبت تهمة “ازدراء للبرلمان” عندما رفضت نشر وثيقة الاستشارات القانونية البريطانية كاملة.

واتهم حزب العمال الحكومة “بالرفض المتعمد للامتثال” بتصويت ملزم في مجلس العموم لتقديم المشورة الكاملة والنهائية للمدعي العام. وقال رئيس الحزب في البرلمان بريك ستارمر “لقد أخفقت الحكومة في نشر المشورة القانونية الكاملة والنهائية التي قدمها المدعي العام إلى مجلس الوزراء، كما أمر البرلمان. وبالتالي، لم يعد لدينا خيار سوى الكتابة إلى رئيس مجلس النواب”.

في المقابل، أصر المتحدث الرسمي باسم تيريزا ماي على أن الوثيقة التي نشرتها الحكومة تتماشى مع الضمانات التي قدمتها للنواب، فيما قالت ماي إنها لم تخف حقائق عن البرلمان في ما يتعلق بالمشورة القانونية التي حصلت عليها حكومتها في اتفاق انسحاب البلاد من الاتحاد الأوروبي.

الخطة البديلة

Thumbnail

رفضت ماي الانصياع لمطالب أحزاب معارضة بنشر وثيقة الاستشارات القانونية البريطانية حول معاهدة الانسحاب كاملة. وقد أشارت إلى أنه في حالة فشل الجانبين في التوصل إلى اتفاق تجاري بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الخطة البديلة من الممكن أن تضع أيرلندا الشمالية تحت معايير مختلفة عن باقي المملكة المتحدة.

وكان إيان بلاكفورد، زعيم المجموعة البرلمانية للحزب القومي الاسكتلندي طلب من ماي توضيح السبب وراء وجود اتفاق ببقاء أيرلندا الشمالية في السوق الموحدة الأوروبية، ضمن ضمانات بشأن حدودها، في حين لا يوجد مثل هذا الاتفاق بالنسبة لاسكتلندا.

وقالت ماي “لم نخف الحقائق بشأن اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عن أعضاء هذا المجلس (مجلس العموم)”، مشيرة إلى أن “الانقسامات بشأن بريسكت تمثل تآكلا لسياسة المملكة المتحدة”، مضيفة أن الشعب يرى أن موضوع الخروج من الاتحاد أخذ أكثر من وقته ويجب التوصل إلى حل، وأنه على النواب الاستجابة لمطالب الشعب الذي صوت على الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء 2016، مؤكدة أن الاتفاق يمثل حلا وسطا.

ومع تبقي أسبوع واحد فقط قبل التصويت الثلاثاء القادم، من المتوقع أن تقضي ماي بعض الوقت في مقابلة الزملاء بشكل فردي في محاولة لكسب الموقف. كما تبذل الحكومة جهودا جديدة لجذب الحزب الاتحادي الديمقراطي من خلال تقديم المزيد من الضمانات بشأن إمكانية الوصول إلى السوق الرئيسي للبلاد إذا تم التصويت على صفقة رئيسة الوزراء.

وقال الوزير البريطاني المؤيد للانسحاب ليام فوكس إنه بات من الممكن الآن ألا يحدث الانسحاب. وأبلغ فوكس لجنة برلمانية بأن هناك خطرا حقيقيا من أن يحاول البرلمان “سرقة” اتفاق الخروج من الشعب البريطاني. وفي استفتاء 23 يونيو 2016، ساند 17.4 مليون شخص، أو 52 في المئة، الانسحاب في حين أيد 16.1 مليون، أو 48 في المئة، البقاء في الاتحاد الأوروبي.

ويقول مؤيدو الانسحاب إنه إذا جرى العدول عن الاتفاق، فإن بريطانيا ستواجه أزمة دستورية حيث ستكون، كما ذهب إلى ذلك من تم وصفهم بالنخبة المالية والسياسية، قد أحبطت الإرادة الديمقراطية للشعب البريطاني.

وفي حين يقول كل من حزب المحافظين الذي وحزب العمال إنهما يحترمان استفتاء 2016، فإن عددا متناميا من النواب المتمردين يقولون إن الحل الوحيد ربما يكون في إجراء استفتاء جديد يعطي البريطانيين خيار البقاء في الاتحاد الأوروبي.

وقال بعض أعضاء البرلمان من الحزبين الرئيسيين إنه إذا تم رفض الاتفاق فسيتحركون لوقف الانسحاب دون اتفاق، وهو ما يخشى زعماء الأعمال والمستثمرون أن يضعف الغرب ويحدث هزة في الأسواق المالية ويعرقل التجارة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *