قناة إسطنبول “مشروع أردوغان العظيم” ينذر بكارثة بيئية

قناة إسطنبول “مشروع أردوغان العظيم” ينذر بكارثة بيئية

الرئيس التركي يرى في القناة خلاصه من الأزمات، وخبراء يؤكدون أن المشروع ضربة كبيرة لاستمرارية الحياة الطبيعية في إسطنبول.

ترى الحكومة التركية أن مشروع قناة إسطنبول العملاق سينعش الاقتصاد، أما المتخصّصون فيرون عكس ذلك؛ إذ ينظرون إلى هذا المشروع بوصفه نذير شؤم، ويأذن بوقوع كارثة في المنطقة؛ سواء من ناحية جدواه الاقتصادية، أو من ناحية الأضرار التي سيلحقها بالبيئة الطبيعية في هذا المكان، والتي لا يمكن تعويضها في المستقبل المنظور.

وتبذل الحكومة جهودا كبيرة لصرف النظر عن الأضرار التي ستسببها قناة إسطنبول للاقتصاد التركي والبيئة المحيطة، ومحاولة إظهارها بالأمر الثانوي، في الوقت الذي يجري فيه العمل على تحديد شكل التمويل اللازم للمشروع. وقد ظل هذا المشروع مثار جدل دائم منذ أن أعلن عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2011 بقوله “مشروعي العظيم”.

وكلما حذر علماء البيئة من تنفيذ المشروع بقولهم “هذا مستحيل”، زاد إصرار أردوغان وتمسّكه به؛ وكأن لسان حاله يقول “تحدثوا كيفما شئتم، ولكن قناة إسطنبول سيتم شقها”.

وكانت أخر تصريحاته في هذا الشأن قبل أسبوع عندما قال “عندما ينتهي العمل في هذا المشروع، فإنه سيُضيف إلى قوة بلدنا قوة أخرى”. وكانت المفاجأة عندما أُلحق مشروع قناة إسطنبول ضمن الموضوعات الأكثر إلحاحا في تركيا، ومن المقرر أن يتم طرح مناقصة بشأن أسلوب إنشاء المشروع وتشغيله وتسليمه في نهاية العام الجاري.

لكن لنتحدث قليلا عن طبيعة قناة إسطنبول، وعن الفائدة المرجوّة من هذا المشروع، بعيدا عن الكلمات المنمّقة التي تستخدمها الحكومة عند الحديث عنه.

تزعم الحكومة التركية أن شق قناة إسطنبول، وهو المشروع الأكثر طموحا بين “المشاريع المجنونة” كما يصفها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن القناة ضرورية لرفع الضغط عن مضيق البوسفور الذي يفصل بين أوروبا وآسيا ويمر عبر إسطنبول وهو ممر تزدحم فيه حركة مرور السفن، لكنّ المعارضين ينتقدون المشروع باعتباره محاولة لصرف الأنظار عن الوضع الاقتصادي الصعب للبلاد، فيما يحذر خبراء بأن المشروع يهدد بكارثة بيئية ستدمر ما تبقى من مساحات خضراء في إسطنبول وتحدث خللا دائما في النظام البيئي.

مخرج من الضائقة الاقتصادية

ستُنشأ القناة في إسطنبول، تزامناً مع إنشاء هذا المشروع، شبه جزيرتين جديدتين، وجزيرة جديدة أيضا. ويبلغ طول خط سير القناة، الذي يضم مجرى المياه الاصطناعي، 45 كم. ومن المقرر أن تكون بدايته من بحيرة كوجُك جكمجة. وسيقطع المشروع عددا من الأحياء مثل صازلي دارا، وألطين شهير، وسيتقدّم إلى الأمام بعد حوض سد صازلي دارا؛ ليصل إلى البحر المتوسط عند أطراف حي ترقوس، ودوروسو.

ويُنظر إلى المشروع باعتباره البديل لحركة المرور في المضيق، أو لخطوط سير سفن الشحن.

وبتنفيذ هذا المشروع، سيتم إغلاق المضيق في إسطنبول تماما أمام حركة مرور ناقلات البترول، وستكون هذه القناة حلقة الوصل بين خطوط السكك الحديدية، والميناء الجوي الثالث في إسطنبول.

تسيطر فكرة هذا المشروع، الذي تهدف الحكومة أن يكون واحدا من أهم نقاط العبور في تركيا، في أن يسهم -بشكل قوي- في انتعاش الاقتصاد التركي، في الوقت الذي يرى فيه الخبراء الموضوع بشكل مختلف تماما، حيث يعترض الخبراء تماما على هذا المشروع المنتظر الانتهاء منه في عام 2023، ويصفونه بقولهم “سيكون هذا المشروع بمثابة مذبحة ضخمة للبيئة”.

ويرى سادات دوريل، وهو أحد العاملين في غرفة مهندسي البيئة، فرع إسطنبول، أن هذا المشروع سيشكل ضربة كبيرة لاستمرارية الحياة الطبيعية في إسطنبول والمنطقة المحيطة.

ويعتقد أن الحكومة وضعت هذا المشروع على قمة أولوياتها من أجل الخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة “.

ويقول دوريل أننا إذا سلمنا أن هدف المسؤولين من وراء هذا المشروع هو إغلاق المضيق في إسطنبول أمام حركة ناقلات البترول تماما، فإن مطالعتنا للبيانات الصادرة عن الوزارة تجعلنا في دهشة حقيقية؛ حيث جاء في بيانها أن حركة مرور ناقلات النفط والوقود السائل من البوسفور قد تناقصت بشكل كبير. وعلى الرغم من معرفتهم بهذا الأمر فإنهم يصرّون على تنفيذ المشروع.

ويضيف “ينظرون إلى هذا المشروع باعتباره مصدر أمن للمضيق، وتعويضاً لتركيا عن اتفاق مونترو، على الرغم من أن الحقيقة على العكس من ذلك تماماً؛ فهم يبحثون عن سبيل لتصحيح وضع الاقتصاد. إنهم يأملون في تأمين دخل ثابت من الأموال، التي ستُدفع نظير المرور، ولا يهتمون بأي آراء أخرى تُثار حول المشروع.

وفي حقيقة الأمر، إن الدولة مضطرة -في مثل هذا النوع من الأعمال- إلى دفع أموال تفوق بكثير حجم تكلفة الإنشاء، وستظل تنفق الأموال سواء في مرحلة الإنشاء، أو في مرحلة التشغيل كذلك. وهذا سيشكّل بالطبع عبئا كبيرا على ميزانية الدولة. ولن يستفيد من هذا الأمر سوى عدد من شركات الإنشاءات الموالية للحكومة”.

ويربط دوريل بين قناة إسطنبول ونسبة العجز في التجارة الخارجية لتركيا بقوله “تضع تركيا مسألة سد العجز في التجارة الخارجية على قمة أولوياتها”، ويؤكد أن “تركيا لن تحقق -بهذا المشروع- نسبة الدخل التي تأملها، ويشرح ذلك بقوله “يتمتع مضيقا إسطنبول وجناق قلعة بوضعية خاصة، وفقاً لاتفاق مونترو؛ بحيث لا يمكن لأحد منع مرور السفن فيهما بأيّ حال من الأحوال. والشيء المنطقي أن أحدا لن يرغب في استخدام هذه القناة ويدفع الأموال كي يمر منها، ويترك حقه في حرية العبور-وفق هذا الاتفاق- من المضيق. أو بعبارة أخرى، إن أحدا لن يدفع الأموال مقابل المرور من قناة إسطنبول، في الوقت الذي يمكنه العبور بشكل سريع من مضيق إسطنبول دون أن يدفع شيئا”.

من المتوقع أن يتسبب حفر قناة إسطنبول، في تدمير المنطقة الساحلية في منطقة البحر الأسود، بشكل لا يمكن إعادتها إلى سابق عهدها مرة أخرى

وتحاول الدولة أن تضخّ كميات كبيرة من الأموال بالاستثمار في مثل هذه المشروعات العملاقة بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه حيث تتسع الفجوة بين الاستيراد والتصدير. الأمر الذي تسبب في ارتفاع نسبة العجز في التجارة الخارجية.

وتنظر الحكومة إلى هذا المشروع باعتباره المخلّص من هذه الأزمات، وأنه مصدر التنمية في تركيا، “لكن لا تدرك أنه سيفتح الباب بعد ذلك لحدوث أزمة اقتصادية أشدّ عمقا، وهي التي تدير الاقتصاد في الوقت الراهن من باب الحسابات اليومية. وبدلا من أن تبحث عن حلّ جذري لسدّ العجز في التجارة الخارجية، فإنها تزعم أن واحدا من هذه المشروعات سيحقق النماء الواسع”.

ويؤكد دوريل أنه على الرغم من إعلان الحكومة أنها قد خفَّضت من تكلفة المشروع، إلا أن الأرقام المعلنة، التي تم اقتطاعها من تكلفة المشروع، جاءت هزيلة للغاية.

ومن ناحية أخرى، كانت قناة إسطنبول السبب في حدوث أكبر مضاربة في الأراضي تشهدها المدينة في تاريخها؛ حيث وصلت قطعة الأرض، التي لا يتعدى ثمنها 50 ألفا، إلى ما يقرب من 260-300 ألف ليرة تركية.

فعلى سبيل المثال، يتراوح سعر الأرض في قرية ياسِّي جوران، في الأماكن البعيدة عن الأراضي الزراعية وحوض النهر بين 400 ليرة تركية (بحد أدنى) و600 ليرة تركية (كحد أقصى). وجرى استغلال الأراضي المتبقية في هذا المكان إمّا في البناء وإمّا في التجارة.

وسيأكل من هذه الكعكة كذلك رجال الصناعة، وتجار السوق المغطى، وشركات الإنشاءات الكبيرة والصغيرة، وشركات تشغيل الموانئ، وغيرهم من أصحاب رؤوس الأموال.

ويؤكد مركز معالجة البيانات في تركيا، الذي يرصد عن كثب حركة بيع العقارات في تركيا، أن هناك عقودا تخصّ أراضي في منطقة قناة إسطنبول، جرى تداولها حتى سبع مرات (أي بين سبعة ملاك لقطعة الأرض أو العقار الواحد).

وهناك أراضٍ وعقارات ارتفعت أسعارها عشر مرات. أما الممرات المائية، التي سيجري حفرها، فقد اتضح -بما لا يدع مجالا للشك- أنها ستملأ جيوب أشخاص بعينهم، فقد تحول هذا إلى نوع من أنواع التنمية للسياسة الاقتصادية لتركيا. وتحاول حكومة أردوغان تدوير الأموال في السوق بأعمال يطلقون عليها اسم “مشروعات عملاقة”. والحقيقة أن ما يفعلونه “لن يتعدّى كونه بالونه؛ قاموا بنفخها وتركوها للرياح”.

أضرار بيئية

اسطمبول

لن يتوافق شق قناة إسطنبول مع الأسس المتبعة في تخطيط المدن، كما أنها ستلحق أضرارا فادحة بالتوازن الطبيعي داخل المدينة؛ مما يفتح الطريق أمام تعميق أزمة المناخ العالمي، وإلحاق الضرر بمصادر المياه في المنطقة، فالطبيعي في مشروع كهذا أن هذه المساحات ستتحول جميعها إلى نظام الحياة الحضرية، وأنهم سيكثرون من استخدام الحوائط والكتل الخراسانية. وهذا سيقضي على أهم المراعي ومناطق إنتاج المحاصيل في إسطنبول بكاملها.

ومن المتوقع أن يتسبب حفر قناة إسطنبول، التي من المخطط لها أن تسع 71 مليون متر مربع من المياه، في تدمير المنطقة الساحلية في منطقة البحر الأسود، بشكل لا يمكن إعادتها إلى سابق عهدها مرة أخرى.

وعندما يختلّ نظام تدفق المياه في مضيق إسطنبول، فالطبيعي أن يتأثر التوازن بين البحر الأسود ومرمرة كذلك، وسيتزامن مع تنفيذ المشروع إنشاء ثلاث جزر بمساحة 22.5 مليون متر مربع. الأمر الذي سيخلّف دمارا كبيرا لسواحل مناطق بويوك جكمجة، وبَي ليك دوزو، ويشيل كوي.

أضف إلى ذلك أن هناك احتمال وقوع حوادث في القناة بسبب ناقلات البترول التي تحمل مواد قابلة للاشتعال. وهذا الأمر سيؤثر -بطبيعة الحال- على العمل في الميناء الجوي الثالث، الذي يقع على الطرف الشمالي الشرقي للقناة.

وستعاني إسطنبول من أولها لآخرها، مع انطلاق المرحلة الأولى من المشروع؛ بسبب انتشار الغبار المتطاير، وتلوث البيئة المحيطة به؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار الإصابة بأمراض مختلفة مثل سرطان الرئة.

 ومع بداية المرحلة الثانية سيلحق الضرر بالحوض المائي للمدينة بأكملها، وسيكون سدا “صازلي دارا” و”ترقوس”، اللذان يلبيان احتياجات إسطنبول من المياه معرضين للخطر كذلك.

كلما حذر علماء البيئة من تنفيذ المشروع بقولهم “هذا مستحيل”، زاد إصرار أردوغان وتمسكه به؛ وكأن لسان حاله يقول “تحدثوا كيفما شئتم، ولكن قناة إسطنبول سيتم شقها”

 وقد تقام وحدات سكنية على أطراف هذا المكان، إذا لم تصبح مياه هذين السدين صالحة للشرب ومن المتوقع أن تتزايد احتياجات إسطنبول من المياه بشكل أكبر.

وبذلك ستقضي القناة على المساحات الزراعية، وأحواض المياه في المنطقة، وستزيد من نسبة التلوث كذلك، كما أنها لن تكون البديل المناسب عن مونترو. أضف إلى هذا، أنها لن تساهم في حل مشكلة المرور. وما دام الأمر بهذا السوء، فمن الذي سيسعد بمشروع لا يعود بأي نفع سياسي كان أو اقتصادي على أهل المنطقة.

الشيء الآخر، المثير للقلق هو وجود تصدعات أرضية في هذه المنطقة. لهذا السبب، كيف سيكون الحال لو حدث زلزال في هذه المنطقة، وهو أمر وارد. كيف سينتقل المواطنون من الكباري في الطرف الأوروبي، الذي تحول إلى شكل جزيرة تماما؟

يمكننا القياس على ذلك بمشروعات قنوات أخرى؛ فلو لم تحفر قناة السويس، لكانت السفن مضطرة إلى السير مدة شهر كامل حول قارة أفريقيا. كذلك الوضع بالنسبة لقناة بنما، التي وفَّرت شهوراً كانت تقطعها السفن في قارة أميركا الجنوبية.

 لكن بالنسبة لقناة إسطنبول: ماذا كان سيحدث لو لم يُنفَّذ هذا المشروع؟ لا شيء؛ إذ كان بإمكان السفن العبور من المضيق الآخر على بعد عدة كيلومترات فحسب. لا أحد يدافع عن مشروع قناة إسطنبول، أو يرى أن تركيا بحاجة إليها مثل أردوغان.

وما نستنتجه أن مزاعم الحكومة بأن هذا النوع من المشروعات سيوفّر الحلّ لبعض المشكلات، التي تعاني منها المدن مثل ازدحام المرور وتلوث البيئة، لم يكن صحيحا بالمرة.