مصر والسودان ضمن منظومة التنمية والاستقرار في شرق أفريقيا

مصر والسودان ضمن منظومة التنمية والاستقرار في شرق أفريقيا

تكتل صاعد بين أديس أبابا وأسمرة يفرض تقارب القاهرة والخرطوم، والتهدئة لتأمين المصالح من رياح التغيرات الإقليمية.
السير على إيقاع المرحلة

يتوجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الخرطوم الخميس للقاء نظيره السوداني عمر البشير، في زيارة هي الخامسة التي يقوم بها السيسي إلى الخرطوم والأولى منذ فوزه بولاية رئاسية ثانية في مارس الماضي، وأيضا الأولى في ظل المتغيرات الإقليمية التي فرضها التقارب الأخير بين إثيوبيا وإريتريا.

القاهرة – يقدم التطور الملحوظ في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، وطي الصفحة القاتمة بينهما، دروسا كثيرة لدول الجوار. ويؤكد عمليا أنه لا توجد عداءات دائمة، بل هناك مصالح دائمة تستوجب التعامل بحنكة وحكمة ومرونة ورؤى مستقبلية.

على هذه القاعدة وروافدها يمكن فهم التطورات الإيجابية بين مصر والسودان مؤخرا، فهي لم تعد قاصرة على ما تحققه من مصالح مباشرة، وباتت مرشحة لتكون جزءا من الإطار العام الذي تجري تفاصيله في القرن الأفريقي، واتخذت أديس أبابا وأسمرة فيه سبق المبادرة.

تحمل الزيارة التي يقوم بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للخرطوم، يومي الخميس والجمعة، جملة من الأبعاد الثنائية والإقليمية، لأن توقيتها بالغ الدلالة، وجاء عقب سلسلة من الأحداث التي تؤكد أن ثمة صفحة جديدة فُتحت بين القاهرة والخرطوم، وأن مرحلة المناكفات التي كانت تظهر من وقت لآخر قد تختفي لفترة طويلة.

على الصعيد الثنائي، جرى غلق الملفات الرئيسية التي سببت إزعاجا مستمرا لأي من الطرفين، وفضلا مداراتها على معالجتها جذريا، حرصا على مواصلة التفاهم. واقتربا كثيرا من معالجة المنغصات السياسية والأمنية التقليدية ومحاولة البناء على النتائج لإرسال إشارات جيدة لمواطني البلدين، وتثبيت دعائم ما وصل إليه الجانبان من تقارب لافت.

الخارطة التي يتم ترسيمها لها تأثيرات على جميع دول المنطقة، وتؤدي إلى تغيير التوازنات التقليدية الهشة. عند هذه النقطة تلتقي مصالح مصر والسودان

ومثّلت استجابة القاهرة لطلب الخرطوم بشأن تضييق هامش الحركة على معارضي النظام السوداني المقيمين في مصر، تطورا مهما. وبدا منع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، وزعيم تيار نداء السودان المعارض الشهر الماضي، من دخول مصر، رسالة قوية استقبلتها الخرطوم بترحيب واعتبرتها نموذجا عمليا للانسجام السياسي، لأن القاهرة ظلت لفترة مترددة في الإقدام على خطوة من هذا النوع.

واعترفت مصادر سودانية لـ”العرب” بأن الخطوة رمزية ولا تمثل إضافة مادية للنظام الذي أخصى المعارضة وأفقدها تأثيرها، عبر سياستي الاستقطاب والاستبعاد، ما جعلها مفتتة، ويصعب توافقها على رؤية واحدة تجبر النظام على إدخال تعديلات جوهرية وسمح ضعفها بتجرؤ الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) على الدعوة إلى تعديل الدستور بما يمكن الرئيس عمر حسن البشير من إعادة الترشح لفترة رئاسية جديدة.

وقال هؤلاء إن المعارضة المسلحة لها حسابات أخرى، مع ذلك فالتعامل المصري مع الصادق المهدي أغلق أيضا هذا الباب؛ فالقاهرة التي لم تغلقه تماما خلال السنوات الماضية وكانت حريصة على جعله مواربا، كسلاح ردع وليس للاستخدام الفعلي، أضحت الآن مضطرة إلى تقديم ما يثبت عدم التفكير فيه.

يبدو أن البلدين على وشك أن يتجاوزا ورقة المعارضة، بكل صورها، مع الخطوات التي اتخذتها الخرطوم إزاء قيادات جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية، والتي تلقت تحذيرات بعدم ممارسة أي نشاط من داخل الأراضي السودانية، وفتحت لهم الطريق للرحيل عنها.

رياح سياسية

الالتفات إلى سرعة رياح المصالحة
الالتفات إلى سرعة رياح المصالحة

تدخل العلاقات مرحلة مختلفة تأخذ في اعتبارها التطورات المتلاحقة على الصعيد الإقليمي. فإذا كانت إثيوبيا وإريتريا ارتأتا ضرورة التفاهم والوصول إلى تحالف استراتيجي (بعد مرحلة طويلة من العداء) بكل ما ينطوي عليه من روافد خارجية، فعلى القاهرة والخرطوم الالتفات لسرعة الرياح التي سوف تسير بها هذه المرحلة، وما تؤدي إليه من انعكاسات.

يراهن النظام السوداني منذ فترة على علاقته بإثيوبيا. وقدّم تضحيات وتنازلات لتعميقها، ما أثّر سلبا على علاقته بمصر، التي رأت أن الرئيس السوداني عمر البشير منحاز بقوة إلى جانب أديس أبابا، وظهرت تجليات ذلك في تبني البشير لرؤية إثيوبيا في مشروع سد النهضة، وعدم الالتفات لما يمكن أن يمثله من تداعيات سلبية على السودان نفسه.

ظلت هذه المسألة من المنغصات المحورية في العلاقة مع القاهرة. ومرت الخرطوم من ورائها بمنعطفات كثيرة، دفعت مصر إلى اتهامها صراحة بالتواطؤ مع إثيوبيا.

انطلق التطور الأخير بين القاهرة والخرطوم من ضرورة معالجة المشكلات الثنائية، التي أصبحت لها ارتدادات خارجية مؤثرة على مصالح كل منهما. وبدأت تسير في خطوط متوازية، بمعنى البحث في تسكين ومداواة الأزمات المشتركة، بأداتي التعاون المشترك، على الصعيدين الثاني والإقليمي.

حقق المستوى الأول تطورا لافتا، وإن لم يتم بتر الأزمات نهائيا، فلم تعد هناك ضرورة للمماحكات السابقة، لأن الأجواء الإقليمية مهيأة لتتغير معادلاتها، بما يمكن أن يضر بالطرفين، ويدرك كل منهما ضرورة حدوث وقفة صريحة والتجاوب مع المعطيات التي تدور في الفضاء الخارجي.

كان تعامل القاهرة مع الخرطوم، عقب انحياز الأخيرة لكل من الدوحة وأنقرة، نقطة رئيسية في التغير الحاصل في الطريقة التي كانت تدير بها علاقاتها مع السودان، ومضت في إطار أن عمر البشير يدير علاقاته بانتهازية سياسية، يقرب هذه الدولة ويبعد تلك لتحقيق أعلى استفادة ممكنة.

استوعبت القاهرة هذا التفكير أخيرا، وقامت باستدارة سياسية لتحقيق أعلى استفادة من هذا الوتر في تحييد الخرطوم، أو تقليل هامش حركتها نحو الدوحة وأنقرة، وأدركت أن هناك خطة طويلة لتعزيز العلاقات معهما، كشفها الاتفاق على تعمير جزيرة سواكن السودانية مع تركيا، وحوى جوانب خفية في هذه العلاقة، التي حملت ملامح عسكرية تتعلق بالأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر، والتي أخذت قطر تدخل على خطوطها.

أبدت مصر ترحيبا كبيرا بمساعدة كل من الإمارات والسعودية للنظام السوداني، وتعويضه سياسيا واقتصاديا عما يمكن أن يتكبده من خسائر جراء التخلي عن الدوحة وأنقرة، وبدت المعادلة: كلما ازدادت الخرطوم ابتعادا عنهما حصلت على فوائد عديدة من الدول الثلاث.

روافد إقليمية

قضايا تحتاج إلى تنسيق استراتيجي
قضايا تحتاج إلى تنسيق استراتيجي

انتبهت الخرطوم إلى أن هذا التجاوب له روافد في منطقة القرن الأفريقي، لأن الإمارات والسعودية انخرطتا اقتصاديا في مشروعات مع إثيوبيا، وهما ليستا بعيدتين عن مصر، لذلك رأى السودان أهمية في الانحياز لمحور مصر- الإمارات- السعودية، الذي لم يرفع عينه عما يجري في شرق أفريقيا، لأنها منطقة ذات حيوية فائقة للأمن في اليمن والبحر الأحمر، وربما الخليج برمته، بعدما وضعت كل من تركيا وقطر وإيران المنطقة ضمن مشروعاتها الاستراتيجية.

تعي دول كثيرة أن ما يجري في فناء القرن الأفريقي يحمل طموحات كبيرة لتغيير وجه المنطقة. وعندما رشحت بعض الأهداف عن مدلول العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا، بدأت الخرطوم تشعر بالقلق، فإذا لم تنخرط في المنظومة المتوقعة وهي متسلحة من منطلق قوة، يمكن أن تصبح خارجها، لأن أديس أبابا ترى في استرداد أسمرة وما يحمله ذلك من توظيف لميناءي عصب وبربرا، ورقة يمكن أن تخفف من اعتمادها على ميناء بورتسودان.

توصلت دوائر سودانية إلى أن هذه التوجهات لن تتوقف عند هذا الحد، وستكون لها ذيول اقتصادية وسياسية وعسكرية أيضا، ما يؤثر على درجة التفاهم الراهنة مع أديس أبابا.

يبدو رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد منفتحا على الجميع ويثمن العلاقة مع الخرطوم، لكن الواقع ستكون له طقوس تؤدي إلى تخفيف رهاناته على الخرطوم والمزيد من التحدي في مواجهة القاهرة بشأن سد النهضة، الذي يعتبره الإثيوبيون بطوائفهم المختلفة مشروعا قوميا. ناهيك عن فقدان ورقة إريتريا، على سبيل الاستثمار السلبي، بمعنى أن الخرطوم التي كانت تلجأ إلى الهجوم على أسمرة وتحميلها جوانب من أزماتها الداخلية واتهامها بدعم المعارضة السودانية المسلحة، لن تستطيع ترديد هذه النغمة، عندما تتحول إريتريا من دولة “منفلتة ومارقة” إلى دولة منضبطة ومستقرة إقليميا، وتملك علاقات استراتيجية مع إثيوبيا، المدعومة من جهات دولية كثيرة، تستثمر فيها، وترى أنها بوابة لوقف تمدد الصين وغيرها من القوى الطامحة في القبض على مفاتيح الحل والعقد فيها.

تحمل مصر أيضا هواجس عدة من وراء تصاعد العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة، وما يمكن أن تفضي إليه من إعادة رسم خارطة منطقة شرق أفريقيا، التي تعد مجالا حيويا للقاهرة والحفاظ على مصالحها في مياه نهر النيل الذي يموج بخلافات حول حصصه، وعلى مستوى الأمن في منطقة البحر الأحمر، لأن الخارطة التي يتم ترسيمها على أساس تعاوني وتنموي، لها تأثيرات على جميع دول المنطقة، وتؤدي إلى تغيير التوازنات التقليدية الهشة.

عند هذه النقطة تلتقي مصالح مصر والسودان بما يتجاوز الأطر الصغيرة من ترضيات ومناورات ومسكنات لتخرج نحو فضاء أرحب، قبل أن تتشكل معالم جديدة ويجد البلدان تحديات إقليمية كبيرة تتجاوز قدرتهما على التعامل مع روافدها.

تدخل العلاقات بين القاهرة والخرطوم اختبارا دقيقا الآن، حيال مدى قدرة كل منهما على فهم المعطيات الجديدة، تتطلب التفاهم والتوافق والتنسيق والتعاون على رؤى استراتيجية وليست تكتيكية. انتهت مرحلة تقديم تنازلات وقتية إلى الدخول في مرحلة أهم تحتاج إلى تفكير عميق، ليتمكن البلدان من أن يكونا ضمن المنظومة الجديدة للأمن والاستقرار في شرق أفريقيا.

أثبتت الخبرة أن دخول القاهرة وحدها أو تصرف الخرطوم بصورة منفردة، لن يحقق فوائد كثيرة، في ظل تكتل صاعد بين أديس أبابا وأسمرة، بينما التعاون يمكن أن يعظّم من مصالح الطرفين. من هنا يمكن فهم دواعي زيارة الرئيس السيسي للسودان اليوم، فلأول مرة سيكون الهاجس الإقليمي بندا رئيسيا في اهتمامات القاهرة والخرطوم، بحثا وراء الانخراط مبكرا في منظومة التنمية والاستقرار في القرن الأفريقي.