قمع الميليشيات وراء تراجع الاحتجاجات في العراق

قمع الميليشيات وراء تراجع الاحتجاجات في العراق

مسلحون بأزياء مدنية يطاردون المتظاهرين ويقبضون عليهم أمام أنظار الجيش والشرطة.

بغداد – ساهم التدخل العنيف لقوات الأمن العراقية وخاصة عناصر الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران ضد المتظاهرين بشكل فعال في تراجع الاحتجاجات الشعبية التي عمّت محافظات الجنوب ضد الفساد وتردي مستوى الخدمات مع نهاية أسبوعها الثاني.

وأشار نشطاء عراقيون إلى أن “العامل المؤثر في تراجع بعض الاحتجاجات تمثل في القمع الشديد الذي مارسته الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية بحق المحتجين، ولجوء الحكومة إلى محاصرة أنباء التظاهرات عبر إيقاف خدمة الإنترنت في عموم البلاد”، فضلا عن “تلويح بعض الأطراف السياسية العراقية بسلاح الميليشيات المدعومة من إيران، ضد المحتجين”.

وذكر النشطاء أن مسلحين بأزياء مدنية طاردوا محتجين في البصرة والنجف، وألقوا القبض على عدد منهم أمام أنظار عناصر الجيش والشرطة، مؤكدين أن هؤلاء المدنيين الذين يحملون السلاح ينتمون إلى فصائل موالية لإيران تعمل ضمن قوات الحشد الشعبي.

وكشفت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن “رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تلقى تقارير استخبارية تؤكد تورط عناصر تابعة للحشد الشعبي في عمليات اعتقال ضد نشطاء”، مؤكدة أنه “اجتمع بنائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبومهدي المهندس وثيق الصلة بالحرس الثوري الإيراني، وطلب منه عدم الزج بالحشد الشعبي في قمع التظاهرات”.

أبومهدي المهندس: الحشد يخشى تطور الاحتجاجات وخروجها عن السيطرةأبومهدي المهندس: الحشد يخشى تطور الاحتجاجات وخروجها عن السيطرة

وأكدت المصادر أن “المهندس نقل مخاوف أطراف سياسية عراقية حليفة لإيران من تطور هذه الاحتجاجات وخروجها عن السيطرة، لا سيما بعد قيام محتجين بإحراق نحو 11 مقرا لأحزاب موالية لطهران في 3 محافظات عراقية”.

وتشير المصادر إلى أن “العبادي وعد بأنه سيتعامل بحزم مع التظاهرات، وأنه لن يسمح لها بالتمدد”، وهذا ما كان واضحا في الاستنفار الأمني العالي لقوات الأمن العراقية، وتدخلها السريع لتفريق أي تجمع احتجاجي، حتى إذا استلزم الأمر استخدام الرصاص الحي.

ويقول نشطاء إن “الخطر المركب الذي تواجهه حركة الاحتجاج يحدّ من تأثيرها تدريجيا”. ويضيف هؤلاء أن “أجهزة الأمن والميليشيات الموالية لإيران بإمكانها اعتقال أي شخص من دون رقابة في ظل تعطيل الإنترنت ومنع وسائل الإعلام من الوصول إلى مواقع الاحتجاج”.

ومثل دخول عدد من شيوخ العشائر على خط الوساطة بين المحتجين والحكومة، متغيرا مهما في تثبيط جانب من القوى الشعبية.

ففي البصرة والنجف توسط شيوخ عشائر، بالتنسيق مع المحافظين، لترتيب مقابلات بين قيادات مزعومة للتظاهرات وممثلين عن مكتب العبادي. ونجم عن إصدار العبادي قرارا بتعيين 10 آلاف عاطل من البصرة والترتيب مع الكويت على توفير مياه صالحة للشرب، انقسام بين منظمي الاحتجاجات في المحافظة.

وقالت مصادر ميدانية إن “هناك فريقين في البصرة حاليا، الأول يدعم استمرار الاحتجاج بالوتيرة نفسها حتى تتحقق جميع المطالب، والآخر يريد منح الحكومة مهلة أسبوعين لتحقيق المطالب”.

وفي النجف، أصدر نشطاء بيانا مضادا لبيان أصدره محافظ النجف عقب لقاء قال إنه ضم ممثلين عن محتجي المحافظة بالعبادي. وقال النشطاء إن الشبان الذين اجتمعوا بالعبادي لا يمثلون حركة الاحتجاج، التي يبدو أنها تأثرت بأنباء اللقاء برئيس الوزراء وتترقب نتائجه.

ويبدو أن الحراك الحكومي ومجموعة الوعود التي أطلقتها السلطات التنفيذية، فضلا عن القمع، أسفرت عن نوع من الانقسام في صفوف المتظاهرين، بين مؤيد للتفاوض مع ممثلي أجهزة الدولة المختلفة لتحقيق المطالب، وبين مشكك في النوايا الحكومية وداع إلى استمرار الاحتجاج إلى حين تحقيق المطالب من دون وعود أو مفاوضات.

ويحاول العبادي العزف على وتر تخويف الجمهور من “تضييع النصر” الذي تحقق على تنظيم داعش، من خلال ربط الملف الأمني العراقي بالقلق الذي تسببه التظاهرات للمؤسسة العسكرية.

ويعول النشطاء على “شبابية حركة الاحتجاج” في استمرارها، وإن كان ذلك قد يجري بزخم مختلف مستقبلا، خاصة أن معظم المتظاهرين في مطلع العشرينات من أعمارهم، ما يشير إلى أن الدولة العراقية تواجه جيلا جديدا بمطالب مختلفة.

Thumbnail

وقال قيادي بارز في تيار الحكمة الذي يقوده عمار الحكيم إن “الشبان عندما يبدأون بالسؤال عن أسعار النفط، فعلينا أن ندرك أن احتياجاتهم بدأت تكبر معهم”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “التسويات التي تلجأ إليها الحكومة مع ما يعرف بتنسيقيات التظاهرات بوساطة شيوخ عشائر ومحافظين، يمكنها أن تهدئ الأزمة مؤقتا، لكنها لن تطفئ نار الاحتجاج والغضب الشبابي”.

ويقول نشطاء إنهم يحاولون نقل حركة الاحتجاج إلى العاصمة بغداد بغية تحقيق تأثير أوسع، لكنهم يجابهون بردّ أمني عنيف.

ولم يكن متوقعا أن تُحدث حركة الاحتجاج تغييرا ملحوظا في النظام السياسي ولا في تركيبته الحزبية لكنها مثلت في كل ما يمكن أن ينتج عنها انعطافة كبيرة في علاقة الشعب في المدن ذات الأغلبية الشيعية بالطبقة السياسية الحاكمة التي تكتسب شرعية وجودها من غطاء طائفي استطاع المحتجون تمزيقه.

ويرى مراقب سياسي عراقي أنه بعد اليوم لن يتبادل الطرفان (الشعب والأحزاب) الثقة على أساس التسليم الطائفي، وأنه لن يكفي بعد اليوم أن يكون المرء شيعيا لكي يشعر الشيعة بالاطمئنان إلى سيرته في الحكم، كما أن السياسيين الشيعة لن يكونوا على يقين من أن الشعب لن ينقلب عليهم مرة أخرى بطريقة قد تؤدي إلى نتائج أسوأ.

وقال المراقب في تصريح لـ”العرب” إنه إذا ما كان اللجوء إلى العنف من جهة أطراف محسوبة على الأحزاب الحاكمة قد أفصح عن كذب ما تدعيه من حرص على المذهب، بل هي تحرص على مصالحها قبل كل شيء، فإن قيام الجماهير الغاضبة بحرق مقرات تلك الأحزاب يعد بمثابة انزلاق إلى الهاوية في طريقة النظر إلى موقع الحزبيين في الحياة العامة الذي سيشهد تراجعا كبيرا.

وأشار إلى أن ما يهم في الأمر أن المحتجين الشباب قالوا كلمتهم بصوت عال مؤكدين أن الشأن الطائفي ليس هدفهم إنما البحث عن سبل للعيش الكريم. وذلك ما يمكن أن يعرض العملية السياسية القائمة على أساس التجاذب الطائفي إلى انتكاسة قد تؤدي إلى انهيارها بشكل كامل.