تنحية الجنرال القوي فاتحة تغييرات مهمة قادمة في الجزائر

تنحية الجنرال القوي فاتحة تغييرات مهمة قادمة في الجزائر

عبدالغني هامل من مرشح لخلافة بوتفليقة إلى لواء خارج الخدمة، والإطاحة برؤوس قضية الكوكايين لطمأنة المتابعين الدوليين.

 

الجزائر – فاجأ الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الرأي العام بقرار تنحية مدير الأمن الوطني الجنرال عبدالغني هامل، واستخلافه بمدير الدفاع المدني العقيد مصطفى لهبيري، في خطوة تنطوي على تطورات متسارعة داخل أروقة السلطة، بعد تفجير فضحية الكوكايين، وبداية العد التنازلي للانتخابات الرئاسية المنتظرة في أبريل 2019.

وذكر مصدر جزائري مطلع لـ”العرب” أن جميع منتسبي مديرية الأمن، تفاجأوا بقرار تنحية الرجل الأول في جهاز الأمن، وأنه إلى غاية صبيحة الثلاثاء، لا شيء داخل المديرية كان يوحي بهذا النوع من التغيير العميق والمثير، وأن كل الجهود كانت منصبة حول تحضير عدة أنشطة بمناسبة الاحتفال بعيد الاستقلال الذي يصادف الخامس من يوليو.

وأضاف المصدر أن “الاهتمامات كانت متجهة لحركة التغييرات والترقيات والإحالة على التقاعد، التي دأبت المديرية على تنفيذها في هذه المناسبة، على غرار المؤسسات الأمنية والعسكرية الأخرى، وأن كل شيء سيتوقف الآن أو يتأجل على الأقل”.

وأفاد بيان للرئاسة الجزائرية، بثته وكالة الأنباء الرسمية بأن “بوتفليقة أصدر مرسومين، الأول يقيل الجنرال عبدالغني هامل من منصبه على رأس مديرية الأمن الوطني، والثاني تعيين مدير الحماية المدنية (الدفاع المدني) العقيد مصطفى لهبيري خلفا له”.

وجاء القرار في أعقاب تصريحات مثيرة أدلى بها هامل  للصحافيين على هامش احتفالية تبرع منتسبي الجهاز بالدم لفائدة المستشفيات، عاد فيها إلى الجدل المثار حول قضية شحنة الكوكايين، والتسريبات المتداولة حول ضلوع شخصيات وأسماء بارزة، فضلا عن تأويلات حول نوايا لدفع التحقيقات إلى مسار معين لتصفية الحسابات بين الأجنحة الفاعلة في السلطة.

وقال هامل “قضية الكوكايين محل تحقيقات معمقة، وسبق لوزير العدل أن قدم تفاصيل العملية لوسائل الإعلام، ولدينا ثقة كبيرة في جهاز القضاء، وفي نزاهة واحترافية القضاة، ونثق أيضا في التواصل الموجود مع المؤسسة الأمنية”.

وأضاف “في التحقيق الابتدائي أقولها بكل صراحة سجلت عدة تجاوزات واختراقات، ولكن القضاة كانوا بالمرصاد ومنعوا وقوع الانحراف، والمؤسسة الشرطية عازمة على محاربة الفساد، وأن من يريد أن يحارب الفساد عليه أن يكون نظيفا”.

وتابع “حتى لو لم تكن المؤسسة الشرطية معنية مباشرة بالتحقيق، فإن كل ما بحوزتنا من ملفات ومعلومات نسلمها لجهاز القضاء، وأن توقيف المؤسسة لن يتحقق  بالشائعات ولا بالتخويف ولا بالتلاعب، وهي عازمة على البقاء تحت تصرف القضاء، وفي صالح المواطن والمجتمع الجزائري”.

ووُصف تصريح الجنرال عبدالغني هامل بـ”المدوي والمثير”، قبل أن تتم التغطية عليه بقرار التنحية الذي نزل بعده بساعات، بعد أن ألمح إلى صراع بين المؤسسات في توظيف قضية الكوكايين لتصفية الحسابات، ووجه اتهامات مبطنة للجهات المضطلعة بالتحقيق في الملف، وهي جهازا الدرك والاستعلامات الواقعان تحت وصاية وزارة الدفاع ورئاسة الجمهورية على التوالي.

عبدالغني هامل من أصغر الجنرالات في المؤسسة الأمنية والعسكرية
عبدالغني هامل من أصغر الجنرالات في المؤسسة الأمنية والعسكرية

ولم تستبعد مصادر متابعة أن يكون قرار التنحية قد جاء عقابا للرجل على تصريحه “المثير والخارج عن المألوف، لا سيما وأنه وجه اتهامات مبطنة لمؤسسات رسمية أخرى، بعد توظيفه لمفردة ‘النظافة’ كشرط أساسي لمحاربة الفساد، وهو ما يعتبر انزلاقا غير مسبوق في خطاب الفاعلين في المؤسسات الرسمية للدولة، ويوحي باستعار النيران الصديقة داخل معسكر السلطة على خلفية الصراع المحتدم حول التجديد أو استخلاف بوتفليقة في قصر المرادية”.

وألمح تصريح عبدالغني هامل إلى توظيف قضية الكوكايين في تصفية الحسابات، وإلى استهداف غير معلن لجهازه من طرف الجهات القائمة بعملية التحقيق، بعد الإشارة إلى ضلوع سائقه الخاص في القضية، وهو ما دفع مديرية الأمن إلى إصدار بيان في وقت لاحق، أوضحت فيه أن “المعني بالأمر هو منتسب للجهاز يشتغل كسائق في المديرية وليس السائق الشخصي للجنرال”.

ويعد هامل، أصغر الجنرالات في الجزائر، أحد المحسوبين على محيط الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وذراعه اليمنى، حيث أوكلت له إدارة جهاز الأمن العام 2010، خلفا للعقيد علي تونسي الذي قتل من طرف أحد مساعديه آنذاك، وظل يوصف بـ”الرجل القوي في السلطة”، ورشحته بعض الدوائر لأن يكون من الأسماء البارزة لخلافة بوتفليقة، لاعتبارات جهوية (محافظة تلمسان) وقربه من العائلة الحاكمة.

وهامل شخصية عسكرية، تم استقدامها من جهاز الدرك الوطني الواقع تحت وصاية مؤسسة الجيش، واشتغل في سنواته الأخيرة (قبل 2010)، قائدا لسلك الحرس الجمهوري، المكلف بتأمين وحراسة مؤسسة الرئاسة وبالاحتفالات الرسمية والبروتوكولية.

وتتوقع مصادر مطلعة أن يكون قرار تنحية مدير جهاز الأمن فاتحة تغييرات مهمة خلال الأسابيع المقبلة، تمس مؤسسات مدنية وعسكرية، خاصة بالنسبة إلى الأسماء التي ضلع أحد أفراد عائلتها في قضية الكوكايين، وأن الحلقة الضيقة في محيط بوتفليقة عزمت على التخلص من عبء بعض المحسوبين عليها في مختلف المؤسسات، من أجل تبييض صورتها أمام الرأي العام، وضمان دعم شعبي لاستمرار بوتفليقة في السلطة.

وذهبت إلى أن السلطة عازمة على الذهاب إلى أبعد الحدود في الملف، بسبب وقوعه تحت أنظار ومتابعة حكومات وهيئات مختصة، وأنها ستفعل كل شيء حتى ولو اضطرها الأمر إلى الإطاحة ببعض رموزها والمحسوبين عليها، من أجل تلافي شبهة الرعاية المؤسساتية للفساد والجريمة العابرة للحدود.