محرم إينجه مرشح رئاسي يتمنى أردوغان لو أنه لم يواجهه

محرم إينجه مرشح رئاسي يتمنى أردوغان لو أنه لم يواجهه

فيديوهات خطابات إينجه الحماسية وردوده الحادة تحظى باستمرار بأعلى نسبة مشاهدة على اليوتيوب.

أنقرة – ساعات قليلة ويكتشف الأتراك أن لعبة المطالبة بانتخابات مبكرة لم تكن سوى لعب بالنار من طرف حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان وشريكه في الائتلاف حزب الحركة القومية. إذ أن تحولات المزاج الشعبي لا يمكن التنبؤ بها وفقا لحسابات الإسلام السياسي وطروحات أردوغان وفريقه، ولا تقوم على التعزيم والمشيخية الأبوية في شخصية الرئيس التركي والتي يبدو أن الأتراك قد سئموا منها وأخذوا يبحثون عن بدائل حقيقية قوية لها.

 يتابع أردوغان بدقة شديدة منافسيه من المرشحين للانتخابات مثل ميرال أكشينار التي تلقب بـ”المرأة الحديدية” والزعيم الكردي المسجون صلاح الدين ديمرطاش، لكنه يركز انتقاداته على محرم إينجه الذي حول اللعب إلى جد.

 إينجه تقول عنه الفايننشال تايمز إنه “قد يكتب التاريخ وينتصر على أردوغان الذي تولى زمام الأمور السياسية في بلاده لأكثر من عقد”. وتضيف الصحيفة أن إينجه يحظى بدعم كبير في بلاده، وله الكثير من المؤيدين والذين يسيرون في الشوارع يحملون لافتات كُتبت عليها عبارات تعبر عن مدى حبهم وتشجيعهم له، وفخرهم به ومن بينها “إنه مُعلم فيزياء ولكنه سيكتب التاريخ”.

ويؤكد المراقبون أن رجل تركيا الجديد الصاعد قد بذل جهودا كبيرة لنقل رسالة واضحة ومباشرة للناخبين، واعدا بأنه سيعيد تركيا التي تم استقطابها لسنوات طويلة إلى طبيعتها، وسيستثمر في مجال التعليم والوظائف، ويعيد بناء العلاقات التركية مع الغرب.

يبدو أسلوب إينجه مختلفا عما اعتادته الحياة السياسية التركية بقديمها التقليدي أو حديثها الذي بات بحاجة أيضا إلى التجديد بعد ركود.

يقول أستاذ العلوم السياسية إيمري أردوغان عن إينجه إن “مؤيديه يحبون أسلوبه. إنه يتمتع بحيوية كبيرة ولا يخاف من إثارة أي جدل”. ويعلق الخبير السياسي في جامعة بيلجي في إسطنبول على صعود إينجه بالقول إن “نجاحه شكل مفاجأة للجميع”، مضيفا أن “الرئيس التركي كان بالتأكيد يفضل أن يواجه مرشحا آخر”.

فقد قال في أول تصريح له بعد إعلان اسمه إنه سيكون رئيسا لـ80 مليون تركي وليس لحزبه فقط. وقام في إشارة رمزية بنزع شعار الحزب عن قميصه ووضع شعار تركيا.

الخيار الآمن

أردوغان يبدو مرتبكا أمام إينجه. فبعد تعهده برفع حالة الطوارئ، رد إينجه عليه “أنا لست رئيسا ولا أستطيع رفع حالة الطوارئ. لكن أنت يا أردوغان لماذا لا تفعل ذلك الآن؟”
أردوغان يبدو مرتبكا أمام إينجه. فبعد تعهده برفع حالة الطوارئ، رد إينجه عليه “أنا لست رئيسا ولا أستطيع رفع حالة الطوارئ. لكن أنت يا أردوغان لماذا لا تفعل ذلك الآن؟”.

إينجه نائب عن حزب الشعب الجمهوري عن مدينة يلوا القريبة من إسطنبول ولد عام 1964 لعائلة هاجرت من اليونان واستقرت في ولاية يالوفا. التحق بكلية العلوم في جامعة أولوداج وعمل مدرسا للفيزياء في المدارس الثانوية في بداية حياته العملية، ثم دخل البرلمان في العام 2002، وتقدم إلى انتخابات رئاسة حزب الشعب أمام كليجدار أوغلو مرتين لكنه خسر.

وكان حزب الشعب الجمهوري وهو أكبر أحزاب المعارضة قد طرح إينجه مرشحا رئاسيا، ويبدو أن الرجل قد نجح حتى الآن في مهمته.

تتميز نبرة إينجه ببصمات خاصة، لفتت إليه أنظار الناخبين منذ زمن، فقد كان من أكثر المنتقدين لرئيسه كليجدار أوغلو حيث قال عنه إنه “لا يؤمن بالعقل المشترك، وغير شجاع، وليست لديه أهداف ثابتة ولا يعرف الشعب بشكل جيد، ولا يفكر بترك منصبه ويتحدث في كل مكان بطريقة مختلفة”.

ومنذ ذلك الحين أخذ إينجه يحتفظ بشعبية كبيرة في صفوف الحزب أكثر من كليجدار أوغلو الذي يحظى بتأييد الجمعية العمومية التي يقرر أعضاؤها من هو رئيس الحزب. ولكن مع ذلك لم ينس إينجه أن يشكر زعيم الحزب كليجدار أوغلو على اختياره مرشحا بالرغم من انتقاده ومنافسته له.

إينجه الذي يوصف بـ“المتحدث المفوه” في الإعلام الغربي، يمثل اليمين داخل حزب الشعب، ويعدّ من العلمانيين المعتدلين في حزبه. فقد تم انتخابه رئيسا لجمعية “الفكر الكمالي” التي تعمل على نشر الرؤية الكمالية العلمانية والدفاع عنها في داخل تركيا وخارجها.

 لغة إينجه النقدية حادة جدا ضد أردوغان، وقد كانت دعايته في انتخابات رئاسة الحزب أنه هو الوحيد الذي يمكن أن يتحدى هيمنة أردوغان، فهو من حراس الأتاتوركية العلمانية.

كان إينجه خلال فترة حظر الحجاب من العلمانيين القلائل الذين دافعوا عن الحق في ارتداء الحجاب. ولكنه قال خلال حملته الانتخابية إنه قد يعرض القصر الرئاسي الذي بناه أرودغان للبيع حال فوزه بالرئاسة، متهما حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأنه وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016.

ولهذا يرى المراقبون أن إينجه يُعد بمثابة “الاختيار الآمن” لحزب الشعب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة. فقد ترشح بصفته رجلا قريبا من الشعب، وهو لا يتردد في الرقص أو الغناء حسب العادات المحلية للمدينة التي يقوم فيها بحملته.

“الصوت المشاكس في البرلمان”، هكذا كان إينجه يعرف قبل هذه الانتخابات، وحتى هذا اليوم ما زالت فيديوهات خطاباته الحماسية وردوده الحادة باستمرار بأعلى نسبة مشاهدة على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب. فقد رد ذات مرة على نائب من حزب العدالة والتنمية اتهم حزب الشعب الجمهوري بأنه عجز عن تغذية إسطنبول بالمياه قبل تولي أردوغان السلطة، بالقول “إذا لم نكن نشرب المياه قبلكم؟ ربما كنا نعمل على الديزل؟”.

شاي أسود بلا ربطة عنق

نبرة إينجه تتميز ببصمات خاصة، لفتت إليه أنظار الناخبين منذ زمن، فقد كان من أكثر المنتقدين حتى لرئيس حزبه كليجدار أوغلو حيث قال عنه إنه “لا يؤمن بالعقل المشترك، وغير شجاع، وليست لديه أهداف ثابتة ولا يعرف الشعب بشكل جيد”
نبرة إينجه تتميز ببصمات خاصة، لفتت إليه أنظار الناخبين منذ زمن، فقد كان من أكثر المنتقدين حتى لرئيس حزبه كليجدار أوغلو حيث قال عنه إنه “لا يؤمن بالعقل المشترك، وغير شجاع، وليست لديه أهداف ثابتة ولا يعرف الشعب بشكل جيد”

اليوم يعد إينجه بالعودة إلى نظام برلماني لا يتخذ القصر الرئاسي الكبير في أنقرة مقرا للحكم، مضيفا في مهرجان انتخابي أن أردوغان “في قصره يشرب الشاي الأبيض ويأكل بيض السمان”. وأضاف “أما أنا يا إخوتي فآكل البيض نفسه الذي
تأكلونه وأشرب الشاي الأسود نفسه الذي تشربونه”.

وفي مقابلة أجرتها معه وكالة فرانس برس في يالوفا معقله العائلي والانتخابي مؤخرا قال إينجه إنه “منذ 16 عاما هناك أردوغان الذي يقسّم المجتمع. أما أنا فسأكون رئيسا جامعا”.

يقول المحللون إن أحزاب المعارضة التركية عمدت بالفعل في الفترة الأخيرة إلى تليين أيديولوجياتها وتنسيق استراتيجياتها من أجل الفوز جماعيا بالمزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة، ما قد يؤدّي إلى تسديد ضربة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

تكتيك المعارضة

وتعمل أحزاب المعارضة على أن تُبيِّن للناخبين أنها تشكّل بدائل حيوية لحزب العدالة والتنمية الحاكم. وفي حال استمرت هذه النزعة، قد تتعرض حكومة حزب العدالة والتنمية لضغوط كي تتخلى عن سياساتها غير الليبرالية، وإلا فستخسر شريحة كبيرة من القاعدة الداعمة لها.

لكن كثيرا من الخطوات التي اتبعتها المعارضة اتسمت بما عرف بـ“التشظي العلماني” في تركيا، الذي شكل فرصة لحزب العدالة والتنمية للفوز بأصوات الناخبين. وهذا كان أحد أهم أسباب اختيار إينجه الذي ينتمي إلى أسرة محافظة من الطبقة الوسطى. وترتدي العديد من قريباته في عائلته المقربة بمن فيهن والدته الحجاب، وقد نشر حزب الشعب الجمهوري صورا لعائلة إينجه في إطار حملته الانتخابية أملا في تغيير النظرة التي تعتبر أن الحزب شديد العلمانية.

ويرمي إينجه ومن خلفه حزب الشعب إلى تقديم البرهان للناخبين على أن الحزب لم يعد مناهضا للدين. تجلى ذلك من خلال تحالفه مع حزب السعادة، إلا أن إينجه يتوقّع في المقابل أن يمنحه حزب السعادة الدعم في حال وصول مرشحه الرئاسي إلى الجولة الثانية من التصويت.

إينجه تحدى أردوغان بإجراء مناظرة انتخابية على الهواء مباشرة ردا على وصف أردوغان له بـ“المبتدئ في مجال السياسة”. وقال إينجه مخاطبا أردوغان “قلت عني إنني مبتدئ في السياسة، وأنت (المخضرم)، إذا تعال أمامي في مناظرة على الهواء مباشرة، وسنتناقش حول الاقتصاد والسياسة الخارجية والأمن والتعليم وكل ما تريد”.

وأضاف إينجه “طلبت من الذين يعملون معي في الحملة الانتخابية أن يبحثوا عن نتائج نسب المشاهدات بيني وبين أردوغان، ووجدوا أن نسبة أردوغان 11 بالمئة وأنا 43 بالمئة، حتى أن نسب مشاهدات الأحوال الجوية في تركيا أعلى من مشاهدات أردوغان”.

مغامرة أردوغان التي تعبر اليوم فوق محكها الصعب، تتجسد في أنه لطالما قلل من شأن خصومه في الانتخابات الرئاسية، معتبرا أنهم جميعا أقل خبرة منه. ففي كلمته بلقاء في ملاطيا أقامه اتحاد التجار والحرفيين قبل أسبوعين استهدف أردوغان محرم إينجه قائلا “لا يمكن ائتمان المبتدئين السياسيين على تركيا. لن نسلم إدارة البلاد إلى من يفتقرون للخبرة والنجاحات السياسية. لا يمكن لمن يخسرون كل سباق يخوضونه أن يقدموا أي شيء، لا إلى أنفسهم ولا إلى الشعب”.

بدا أردوغان، هذه المرة، أمام إينجه على غير العادة. وكأنه يسعى إلى تصعيد النقاش مرات عدة. فقد تعهد برفع حالة الطوارئ المطبقة منذ سنتين في البلاد، بعد فوزه في الانتخابات. وجاء إعلانه هذا بعدما صرح إينجه بأنه سيلغي هذا الإجراء الاستثنائي خلال 48 ساعة في حال فاز في الاقتراع. ورد إينجه عليه بالقول “لست رئيسا ولا أستطيع رفع حالة الطوارئ. لكن أنت يا أردوغان لماذا لا تفعل ذلك الآن؟”.

لكن من يدري ما الذي ستجلبه اللحظات المقبلة من مفاجآت لأردوغان وحزبه، كما فعلت سابقا في مناسبات انتخابية عديدة اضطرته فيها إلى التحالف مع هذا الحزب أو ذاك، وإلى اتخاذ إجراءات استثنائية تجنبا لخسارة السلطة.