خلافات جنبلاط والتيار الحر تؤخر ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة

خلافات جنبلاط والتيار الحر تؤخر ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة

جنبلاط يهدد بقطيعة بعبدا تنديدا بشبهة تطبيع التيار مع دمشق، ومعركة الزعيم الدرزي مع العهد تمهد لاصطفافات جديدة.

بيروت – على الرغم من تكثيف الجهود التي بذلت في الساعات الأخيرة لوقف السجال بين التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي، إلا أن المراقبين توقفوا بقلق عند حدّة الأسلحة الأبجدية التي استخدمت والتي ستترك ندوبا في العلاقة المقبلة بين الفريقين. وكانت تغريدة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط قد انتقدت أداء النظام السياسي الحالي متهما العهد (الرئاسة اللبنانية) بالفشل.

واعتبر المراقبون أن تغريدة جنبلاط التي فجرت غضبا لدى وجوه التيار العوني دفعهم إلى نبش الحرب الأهلية اللبنانية في الرد عليه، والتي تميزت بأنها لا تهاجم جبران باسيل رئيس التيار أو التيار نفسه بل توجه سهام النقد إلى رئيس الجمهورية ميشال عون من خلال مهاجمة العهد واعتباره فاشلا.

وأضاف هؤلاء أن موقف جنبلاط يتجاوز مسألة حصصه في تشكيلة الحكومة المقبلة باتجاه قضايا وملفات سياسية عامة ترتبط مباشرة بالمستجدات الإقليمية. وإذا ما استخدم جنبلاط مدخل موقف العهد من قضية اللاجئين السوريين باعتباره عنصريّا فيه شبهة تطبيع مع نظام بشار الأسد في دمشق، فإنه في الوقت عينه يحذر من قطيعة مع بعبدا قد تنسحب على فرقاء سياسيين آخرين.

ويلفت المراقبون أن حركة جنبلاط تمثّل الوجه الطليعي لحركة اعتراض تعبّر في البعض من جوانبها عن تيارات كـ”المستقبل” والقوات اللبنانية وحزب الكتائب. ورأى مقرّبون من التيار الجنبلاطي أن الإجراءات التي اتخذها باسيل بصفته وزيرا للخارجية ضد موظفي الأمم المتحدة العاملين على ملف اللجوء السوري في لبنان يمثّل سلوكا استبداديا لا يأخذ بعين الاعتبار التعددية السياسة اللبنانية، ولا يُعير اهتماماً لقرار الحكومة مجتمعة في قضية حساسة على هذا المستوى.غير أن اتهام العونيين لجنبلاط بأنه ينفّذ أمر عمليات سعودي في لبنان غامزين من قناة زيارته الأخيرة إلى الملكة، أخرج السجال من لبنانيته باتجاه ميادين الصراع الإقليمي بين الرياض وطهران.

الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يشن هجوما على التيار الوطني الحر واصفا فيه العهد الرئاسي “بالفاشل منذ اللحظة الأولى”

ويرى محللون أن تيار الرئيس عون يرمي إلى عدم الاستفراد به في هذه المعركة والالتجاء إلى تحالفاته اللبنانية الداخلية لا سيما مع حزب الله. ولم تستبعد البعض من الأوساط أن تكون تغريدة جنبلاط التي أطلقها من النرويج، حيث يمضي عطلة عائلية هناك، متأثرة بلقاءاته الأخيرة مع المسؤولين السعوديين.

هجوم جنبلاط

تلفت البعض من المراجع السياسية المحلية إلى أن هجوم جنبلاط ضد عون والعهد من شأنه تأخير ولادة الحكومة الجديدة، وأن هذا التأخير الذي يُتهم رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري بأنه قد يكون وراءه، يعبّر عن مزاج طارئ غير مستعجل على تشكيل الحكومة لدرجة تُقلق رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تحدث عن “تعطيل” لولادة الحكومة. وفيما يصدر عن حزب الله أصداء تدعم تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن. وتتحدث البعض من الأوساط الدبلوماسية عن أن إيقاع تشكيلها قد يكون مرتبطا بالتطورات الإقليمية المتعلقة بالصراع الدولي ضد إيران وبتطوّرات الوضع العسكري في اليمن ومآلات الوضع الحكومي ما بعد الانتخابات العراقية ومستقبل التسوية التي يُشتغل عليها في سوريا.

وترى هذه الأوساط أن موقف جنبلاط قد يكون مستندا على واقع أن تشكيل الحكومي ليس قريبا، وأن من يريد استعجالها عليه تقديم تنازلات عن طموحات يبني البعض عليها مستفيدا من نتائج الانتخابات.

وتقول البعض من المعلومات إن ولادة الحكومة تنتظر إشارات لقاء الحريري مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعقب لقاءاته أيضا مع المسؤولين السعوديين. إلا أن ترجيحات أكثر تشاؤما تربط ولادة الحكومة بتقدّم ملف إعداد الدستور الجديد في سوريا وصولا إلى القمة المرتقبة بين بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب منتصف يوليو المقبل. ويفسّر البعض هجوم جنبلاط أنه يجري في الوقت الضائع الذي ربما يعرف الزعيم الدرزي أنه قد يطول، ما يتيح له تحسين شروط الاشتراك في نظام الحكم الراهن.

ويرى محللون أن موقف جنبلاط بإمكانه أن يمثّل بداية اصطفاف جديد مع القوات والكتائب والمستقبل يحسّن من موقف الحريري على رأس الحكومة العتيدة.

ويضيف هؤلاء أن حرجا يصيب الحريري جرّاء قيام باسيل بمداولات في مسألة تشكيل الحكومة هي من صلب صلاحيات رئيس الحكومة، وأن هذا الامتعاض داخل تيار المستقبل يعبّر عنه علنا عدد من وجوه التيار في وقت يسعى فيه الحريري إلى المحافظة على تفاهماته مع عون وباسيل وتجنّب القطيعة والصدام.

ويكشف خبراء في شؤون العلاقة الروسية اللبنانية أن لجنبلاط، ومنذ عهد الاتحاد السوفييتي، مكانة متميزة في العاصمة الروسية وأن موقفه التصعيدي ضد العهد قد يكون مستندا على معطيات الموقف الروسي في سوريا لا سيما في ما يتعلق بالقانون رقم 10 المثير للجدل وتناقض أجندة موسكو مع أجندة طهران كما على مضمون المداولات التي أجراها الحريري مع الرئيس الروسي قبل أيام.

هجوم جنبلاط يجري في الوقت الضائع ويعلم الزعيم الدرزي أنه قد يطول، ما يتيح له تحسين شروط الاشتراك في نظام الحكم الجديد
هجوم جنبلاط يجري في الوقت الضائع ويعلم الزعيم الدرزي أنه قد يطول، ما يتيح له تحسين شروط الاشتراك في نظام الحكم الجديد

الموقف الدولي

تلتقط مصادر دبلوماسية غربية في بيروت موقف جنبلاط من زاوية اتساقه مع الموقف الدولي الرافض لعودة اعتباطية لللاجئين السوريين دون حلّ سياسي في سوريا.

وتكشف هذه المصادر أن العواصم الدولية استفزّها موقف باسيل من مسألة اللاجئين إلى درجة الانتقام من إحدى منظمات الأمم المتحدة، وأن جنبلاط أراد من خلال رفع لهجة خطابه ليطال رئاسة الجمهورية التعبير عن موقف داخلي يستقوي بموقف إقليمي وآخر دولي، غربي وشرقي، في هذا الصدد.

ويرى البعض من المطلعين على ملفات السياسة اللبنانية أن جنبلاط أراد إبلاغ من يهمه الأمر أنه في مقابل إصرار العهد على توزير خصمه الدرزي طلال أرسلان، فإن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي قد يمرر مسألة أرسلان، إلا أن تلبية مطلبه في احتكار تمثيل دروز داخل الحكومة واستبعاد أرسلان لن تثنيه مع ذلك عن رفع سقف اعتراضه على سلوك سياسي عام يتجاوز الحصص والحقائب بمعناها المحدود. وتلفت مصادر محلية أن معركة جنبلاط ضد العهد قد تتوافق مع مزاج بري الذي يخوض منذ مدة معركته ضد عون وتياره.

وكان بري وتكتله النيابي قد رفض دعم ترشح عون للرئاسة ولم يصوّت له في الانتخابات الرئاسية. وقد اندلع عشية الانتخابات التشريعية الأخير سجال حاد بين حركة أمل والتيار العوني إثر كلام مسرّب لباسيل وصف فيه بري بـ”البلطجي” ما أشعل احتكاكات في الشارع بين أنصار حركة أمل والعونيين. وتتعلق الحساسية بين بري وعون أيضا حول مسألة الصلاحيات ومحاولة الرئيس اللبناني تجاوز توقيع وزير المالية علي حسن خليل مساعد بري على بعض المراسيم الرئاسية التي تحتاج لتوقيع وزارة المالية.

وأيا كانت تفسيرات حوافز تغريدة جنبلاط فإن الأمر أحدث ضجيجا يكشف وهن العملية السياسية في لبنان وإمكان سقوطها في أي وقت وأن السجال الذي اندلع يكشف عن أعراض أورام تهدّد النظام السياسية وتماسكه داخل حقبة معقّدة في تاريخ المنطقة برمّتها.