معركة الحديدة: كلما كان الحسم أسرع خفت الأزمة الإنسانية

معركة الحديدة: كلما كان الحسم أسرع خفت الأزمة الإنسانية

موقف أممي ملتبس: تحذير من كارثة إنسانية ورفض دعوة التحالف الإشراف على ميناء الحديدة.

صنعاء – مع كل تقدم عسكري في اليمن، يسعى التحالف العربي وقوات الشرعية إلى إيجاد نقطة توازن بين متطلبات العمليات العسكرية وحماية المدنيين وتجنب كارثة إنسانية.

كان ذلك أحد الأسباب التي دفعت الإمارات، التي تقود القوات الموالية للحكومة في معاركها في محافظة الحديدة (غرب اليمن)، إلى منح الأمم المتحدة مهلة من أجل التوصل لاتفاق لإخراج الحوثيين.

انتهت المهلة مساء الثلاثاء دون تحقيق أي تقدم. وبعد استنفاد جميع الوسائل السلمية والسياسية، أعلنت الحكومة اليمنية انطلاق عمليات النصر الذهبي في مدينة الحديدة في أكبر معركة في الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات بين القوات اليمنية والحوثيين.

ورغم الموقف الأممي الملتبس، تصر قوات التحالف العربي على التحرك في سياق الشرعية الدولية. فبالتزامن مع التقدم العسكري للقوات اليمنية وقوات التحالف العربي، دعت الحكومة الأمم المتحدة لممارسة الضغط لإخراج الحوثيين سلميا من مدينة الحُديدة وتجنيبها أي مواجهات، والحلول مكانهم.

بسط سيطرة الشرعية على ميناء الحديدة سيؤدي إلى تدفق المساعدات الإغاثية وبالتالي تخفيف المعاناة الإنسانية

لكن، اكتفت الأمم المتحدة بسحب كل موظفيها الدوليين من مدينة الحديدة. وردت على دعوة الحكومة اليمنية ببيان تحذر فيه من أن الحرب في “مدينة الحديدة للسيطرة على الميناء قد تكون دامية وقد تتسبب في وفاة الآلاف”، وهو خطر يؤكد الخبراء أنه محتمل في ظل تواصل العملية العسكرية، إلا أن الأخطر هو خروج منظمات الإغاثة، على غرار إعلان الصليب الأحمر الذي علق أنشطته في اليمن، ما يمثل تهديدا لحياة اليمنيين، الذين يستغلهم الحوثيين دروعا بشرية.

تجنب التصعيد

يشدد مراقبون على أنه كان من الممكن تجنب التصعيد العسكري، وما قد يترتب عنه من خسائر ميدانية وبشرية، لو تعامل المجتمع الدولي والأمم المتحدة بعقلية مختلفة وانتهجت سياسة جديدة بعد أن فشلت السياسات السابقة في حل الأزمة.

وانتقد الخبراء حديث الأمين العام للأمم المتحدة المستمر عن الحل السلمي وتكرار ديباجة “ضبط النفس” و”تجنب المواجهة العسكرية”، مشيرين إلى أن ذلك يحوّل الأم المتحدة إلى عائق أمام التفاوض وليس محفزا في طريق الخروج من الأزمة، وهو الأمر الذي يعطي الفرصة للحوثيين على حساب إنقاذ اليمنيين.

وقالت الحكومة اليمنية إن “تحرير ميناء الحديدة يشكل علامة فارقة في نضالنا لاستعادة اليمن من الميليشيات التي اختطفته لتنفيذ أجندات خارجية”. وأضافت أن “تحرير الميناء يمثل بداية السقوط للحوثيين وسيؤمن الملاحة البحرية في مضيق باب المندب وسيقطع أيادي إيران التي طالما أغرقت اليمن بالأسلحة التي تسفك بها دماء اليمنيين الزكية”.

مدينة الحديدة: شريان حياة للملايين من اليمنيين

* تقع مدينة الحديدة في وسط الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، وتبعد نحو 180 كلم عن الحدود السعودية في أقصى شمال اليمن. كما تقع على بعد نحو 230 كلم غرب العاصمة صنعاء الخاضعة أيضا لسيطرة المتمردين.

* ذات طبيعة مفتوحة، وترتبط بطريق رئيسي مع العاصمة صنعاء يمتد بطول أكثر من 200 كلم. وتحيط بالمدينة سهول ومناطق زراعية تغطيها الأشجار الكثيفة لكنها خالية من الجبال.

* تضم مدينة الحديدة ميناء ومطارا. ويتحكم التحالف العسكري بحركة إدخال المساعدات والبضائع إلى الميناء، بينما المطار متوقف عن العمل منذ سنوات.

* يقع مطار الحديدة في جنوب المدينة، ويبعد نحو عشرة كلم عن مينائها، ثاني أكبر موانئ اليمن بعد ميناء عدن في الجنوب.

* يعتبر ميناء مدينة الحديدة أحد أهم شرايين الحياة الرئيسية في اليمن، إذ تمر عبره 80 بالمئة من الواردات. وهو المدخل الرئيسي للمساعدات الموجهة إلى نحو ثمانية ملايين من السكان معظمهم في المناطق الواقعة تحت سلطة المتمردين الحوثيين.

* يرى التحالف العسكري بقيادة السعودية في الميناء منطلقا لعمليات عسكرية يشنّها الحوثيون على سفن في البحر الأحمر، وممرا لتهريب الصواريخ البالستية التي تطلق على المملكة.

* يوضح مسؤولون في التحالف العربي أن الميناء لا يمكن أن يبقى لهذه الأسباب تحت سلطة المتمردين، ويطالبون الأمم المتحدة بإخراج الحوثيين منه والحلول مكانهم.

وسيؤدي بسط سيطرة الشرعية على ميناء الحديدة حتما إلى تدفق غير مسبوق للمساعدات الإغاثية وبالتالي تخفيف المعاناة الإنسانية، للملايين من اليمنيين، لا سيما أنه منذ سيطرتها على المدينة ومينائها عام 2014، عمدت ميليشيات الحوثي إلى احتجاز وقطع الطريق أمام العشرات من السفن المحملة بمساعدات إنسانية للشعب اليمني.

لكن المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، له رأي آخر حين غرد عبر تويتر بأن “التصعيد العسكري في الحديدة مقلق للغاية، وكذلك تأثيره على الصعيدين الإنساني والسياسي”، في خطاب لا يختلف عن خطاب سابقيه من المبعوثين الأممين، سلفه إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي خلف جمال بن عمر.

لكن تعثرت مسارات كلا المبعوثين في تحقيق أي تقدم في الملف اليمني، لأنهما أصرا على محاولة إرضاء الحوثيين بغاية إقناعهم بالحل السياسي، وهو الأمر الذي لا يريده الحوثيون لأن مصلحتهم في الحرب واستمرار الفوضى.

وتشي الأوضاع بأن نفس المصير قد يلاقيه غريفيث في حال أصرت الأمم المتحدة على اعتماد حل يساوي بين الضحية والجلاد ويغفل أن الحوثيين متمردون انقلابيون سيطروا على البلاد بقوة السلاح، وضربوا بعرض الحائط قرارا صادرا من مجلس الأمن (2216) يلزمهم بالانسحاب من المحافظات التي احتلوها وتسليم الأسلحة، وباتوا من اليمن يهددون أمن التجارة الدولية وأمن دول المنطقة، من خلال استهدافها السعودية بالصواريخ.

والمفارقة أن التحالف العربي يسعى من خلال العمليات العسكرية إلى إجبار الحوثيين على الخضوع والتفاوض، وهو الأمر الذي تنادي به أيضا الأمم المتحدة التي باتت تعقد الأزمات بدل حلها، وأصبح الفشل يلاحقها في كل مكان من اليمن إلى سوريا وليبيا وغيرها من دول العالم المأزومة.

ويشير خبراء إلى أن تصريحات المنظمات الدولية بشأن الوضع الإنساني أصبحت عائقا أمام استعادة اليمنيين لشرعية بلادهم من الحوثيين، وهنا يكمن الخطر في مستقبل البلاد، فهم أمام خيار الحرب، ضمن تعاون سيقلل من خسائرها الإنسانية بشكل كبير، لإنهاء استحواذ الحوثيين على السلطة أو الخضوع لهم وربط البلاد بمشروع إيراني للسيطرة على المنطقة.

مقابل فشل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، قطع التحالف العربي شوطا مهما في تحقيق أهدافه الرئيسية التي أعلن عنها صبيحة انطلاق عمليات عاصفة الحزم في 25 مارس 2015.

وتغيرت خارطة النفوذ بشكل كبير فبعد أن كان الحوثيون يسيطرون على مساحة هامة من اليمن، أصبحوا محاصرين، ويشارفون على خسارة آخر منفذ لهم على البحر الأحمر في محافظة الحديدة، ضمن معركة ستفتح الطريق نحو استعادة العاصمة صنعاء.

ويرى مسؤولون خليجيون أن السيطرة على مدينة الحديدة ستجبر الحوثيين على العودة إلى طاولة المفاوضات، مشيرين إلى أن حالة عدن أثبتت أن الأزمة الإنسانية التي تحذر منها المنظمات الأممية والدولية لم تكن سوى استباق يعقد الحل.

فكلما كانت عملية استعادة الشرعية أسهل، ومدعومة دوليا، في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، كانت الخسائر أقل وعملية إعادة الإعمار أسرع.

ورد معمر الإرياني، وزير الإعلام في الحكومة اليمنية، على البيانات الأممية القلقة على الحالة الإنسانية لسكان المدينة بالتأكيد على أن استعادة ميناء الحديدة الاستراتيجي من قبضة الحوثيين ستسهم بشكل فعال في التخفيف من حدة المعاناة الإنسانية المتفاقمة في اليمن.

واعتبر أن “تحرير مدينة الحديدة سيسهم في إجبار الميليشيا الحوثية على الجلوس على طاولة الحوار والدفع بالعملية السياسية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأزمة اليمنية، وبما من شأنه وضع حد نهائي لمعاناة المدنيين جراء الحرب التي فجرها الانقلاب”.

وأوضح الإرياني أن استعادة الساحل الغربي وتأمين ميناء الحديدة “سيسهمان في وقف التهديدات الإرهابية للملاحة الدولية في البحر الأحمر وتأمين ممرات آمنة للمساعدات الدولية وأعمال الإغاثة الإنسانية ليستفيد منها المواطنون في كافة المناطق بما فيها تلك الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين”.

وجه إنساني

حرص التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن منذ إطلاق عملياته على تسهيل مهام عمل المنظمات الدولية ذات الصلة بالعمل الإنساني والإغاثي. وبالتوازي مع العمل العسكري، نفذت الإمارات والسعودية خطة متكاملة للعمل الإغاثي والتنموي في اليمن.

خطة شاملة لتقديم مساعدات عاجلة

أبوظبي – كشفت ريم الهاشمي وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي، عن خطة شاملة وواسعة النطاق وضعها التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن للتسليم السريع للمساعدات الإنسانية إلى مدينة الحديدة والمناطق المحيطة بها. وقالت الهاشمي إن المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية الأساسية قد تم تخزينها وتجهيزها للتدخل الفوري، مضيفة ”لدينا سفن وطائرات وشاحنات مزودة بإمدادات غذائية وأدوية لتلبية الاحتياجات الفورية للشعب اليمني“. وأشارت إلى أن ميناء الحديدة لا يزال مفتوحا للشحن وإذا حاول الحوثيون إحداث المزيد من الضرر وتدمير أي مرفأ أو بنية تحتية لوجيستية، فإننا وضعنا خطط طوارئ لنقل المساعدات إلى الحديدة وخارجها.

وفي المقابل، لم تتوان ميليشيات الحوثي عن اتباع أبشع الطرق الملتوية للتهرب من الالتزامات التي تحتمها القوانين الدولية كالقانون الدولي الإنساني وبروتوكولات جنيف.

وعمل الحوثيون على تحويل المحافظات اليمنية إلى مصادر دخل لعملياتهم وفرضت الضرائب وسرقت المصارف وصودرت الأموال، فيما يمثل ملف تجنيد الأطفال وتحويلهم إلى دروع بشرية أبشع الجرائم ضد الإنسانية.

وحول الحوثيون الميناء إلى مركز تهريب للأسلحة والصواريخ الإيرانية التي وجهت بشكل عشوائي على المدن السعودية مستهدفة المدنيين. كما هاجمت الميليشيا الحوثية البواخر الدولية في بحر العرب ونشرت الألغام البحرية في تحد سافر للأعراف والقوانين الدولية.

ولا ينكر المجتمع الدولي هذه الحقائق، إلا أنه في كل مرة تدفعه الحسابات الإقليمية إلى التغاضي عنها والاكتفاء ببيانات التنديد والدعوة إلى تسليط العقوبات دون تحرك ملموس وواقعي يساعد على وضع الشرعية اليمنية في نصابها.

رغم أن التجربة أثبتت فشل الحوار مع الحوثيين الذين لا يأبهون لقرارات مجلس الأمن ومسارات الأمم المتحدة لحل الأزمة التي خرجت من سياقها المحلي لتأخذ بعدا إقليميا في علاقة بسياسات إيران في المنطقة.

والانتقادات لدور التحالف العربي في اليمن باتت مرتبطة في أذهان المراقبين بأي تقدّم يحققه التحالف باتجاه حسم الملف وطيه، وبأي إجراءات قد تساعد على ذلك، ما يدفع البعض إلى الحديث عن “حرب خفية” تخوضها لوبيات ساعية لإحباط جهود استعادة الشرعية في اليمن.

وفي هذا السياق ينزل المتابعون المتغيرات في الموقف الفرنسي مثلا، الذي شدد في تعليقه على إعلان عملية النصر الذهبي على أن الحل في استمرار التفاوض، ما يعني استمرار حالة الفوضى التي تستفيد منها إيران، حليفة فرنسا في الاتفاق النووي، والتي سعت مؤخرا لإثارة ملف اليمن مع الأوروبيين لتكن إيران نفسها على طرف رئيسي في حل الصراع في اليمن، استنادا إلى دعمها للحوثيين.