مساعدات تركية تصطدم بجبهة رفض تونسية

مساعدات تركية تصطدم بجبهة رفض تونسية

رفض شعبي واسع في تونس ترجمته انتقادات كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي بمحاولات الرئيس التركي استعادة نفوذه الذي فقده بصفة نسبية في البلاد منذ سقوط “الترويكا”.

تونس – نشرت وكالة “تيكا” التابعة لمؤسسة رئاسة وزراء التركية على موقعها الرسمي العديد من الصور والمقالات أبرزت عبرها أهم أنشطتها “الخيرية” خلال شهر رمضان بتقديمها مساعدات وتنظيمها موائد إفطار في العديد من الدول العربية على غرار اليمن والجزائر والسودان وتونس.
وجوبهت هذه الخطوة برفض شعبي واسع في تونس ترجمته الآلاف من التدوينات والتغريدات على صفحات التواصل الاجتماعي المنتقدة لما أسمته بمحاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعادة نفوذه الذي فقده بصفة نسبية في البلاد منذ سقوط حكم “الترويكا” الذي قادته حركة النهضة الإسلامية عقب انتخابات عام 2014 وذلك عبر مواصلة الرهان مجدّدا على أنشطة جمعياتية مشبوهة.
وقال سمير عبدالله، السفير السابق والناشط السياسي في تصريح لـ”العرب”، إن مثل هذه الحركات التركية تستفز مشاعر كل التونسيين لا فقط الطبقة السياسية الرافضة للمد الأردوغاني في البلاد.
وأكّد عبدالله أن الحديث عن المساعدات التي تقدمها وكالة تيكا لا يدخل في باب المزايدات أو الشعبوية السياسية للتجني على تركيا، لأنّ صور طرود الإعانات موثقة وتثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أنقرة قدمّت فعلا مساعدات في شكل إعانات اجتماعية (مواد غذائية) على غرار بعض الدول العربية الأخرى.
واستغرب السفير السابق من صمت السلطات التونسية التي لم تعلّق إلى حد اللحظة على أنشطة وكالة تيكا في تونس، معتبرا أن ما أقدمت عليه سلطات أنقرة هو تعد صارخ على كرامة كل التونسيين.
وأكّد أن هذه الخطوة تعد الأولى من نوعها في البلاد منذ بدء بناء الدولة الوطنية في عام 1956، مشدّدا القول “إن تونس وشعبها لم يتلقيا أبدا منذ الاستقلال أي مساعدات إنسانية من أي بلد مهما كانت سياساته أو مرجعياته الفكرية أو محاوره الإقليمية والدولية”.

رفض شعبي واسع لتمدّد النفوذ التركي في البلاد وفي المنطقة تحت مظلة الجمعيات الخيرية

واعتبر أن كرامة تونس لا تعتبر خطا أحمر فحسب بل هي خط مقدّس لا يمكن تجاوزه من الحكومات مهما كان رئيسها، قائلا “شعب تونس شعب حر ويرفض هدايا أردوغان المسمومة والقذرة”.
ودعا السفير السابق الحكومة والدبلوماسية التونسية إلى التحرّك بسرعة وفتح بحث في الغرض للتثبت من الجهة التي تسلّمت طرود المساعدات وعلاقتها المشبوهة بتركيا ومن ثمة نشر التحقيق إلى العموم.
وأكد أن مثل هذه الخطوة تستدعي وجوبا إعادة فتح ملفات الجمعيات المشبوهة التي أغرقت البلاد منذ ثورة يناير 2011 في العديد من المطبّات وعلى رأسها التغرير بالآلاف من شباب تونس والدفع بهم إلى محرقة الإرهاب عبر تسفيرهم إلى دول مثل سوريا أو ليبيا أو العراق.
ونفى الناطق الرسمي باسم وزارة التجارة التونسية نسيم نصري لـ”العرب” علم أجهزة الوزارة بهذه المساعدات أو فحواها أو بالهيكل الذي ساهم في إدخالها إن وجدت في الأصل بحسب قوله.
ودعا التونسيين إلى التثبّت من صحة الخبر من الأجهزة الرسمية قبل تنبي فحواه من صفحات التواصل الاجتماعي أو ما يكتبه بعض السياسيين على حساباتهم الخاصة.
ويرى مراقبون أن أنقرة التي فقدت الكثير من نفوذها في المنطقة عقب تغيّر التوازنات السياسية في شمال أفريقيا إثر سقوط الإخوان المسلمين في مصر في عام 2013 أو تراجع وزن النهضة في تونس منذ عام 2014، تُحاول جاهدة إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة بالمراهنة على غرس المئات من الجمعيات “الخيرية” في هذه البلدان وذلك في تتمة لتطبيق مخرجات جولة أردوعان الأفريقية التي أجراها في شهر فبراير المنقضي.
ولا تُعد هذه المرة الأولى التي يرفض فيها التونسيون تحرّكات تركيا المتّهمة منذ 2011 من العديد من الأحزاب السياسية التونسية بالتورّط في دعم مجموعات إرهابية في البلاد، حيثّ اصطدمت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتونس في شهر فبراير 2018 بجبهة رفض شعبية واسعة وصلت حدّ تنظيم وقفات احتجاجية أمام سفارة تركيا بتونس للتنديد بهذه الزيارة وبسياسات تركيا في المنطقة.
ولم تحظ زيارة أردوغان إلى تونس بترحيب التونسيين الذين نظروا إليها بالكثير من التوجّس باعتبار أن أنقرة تتزعم محور الدول التي عملت على السيطرة على البلاد خلال السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
وكان أردوغان قد فوجئ لدى زيارته إلى تونس أيضا من ردة فعل الرئيس الباجي قائد السبسي “الساخرة” بتعليقه على الحركة التي أتاها الرئيس التركي لدى وصوله إلى أرض البلاد برفعه شعار رابعة الإخواني بقوله “لدينا تونس واحدة لا ثانية ولا ثالثة ولا رابعة”، كما أكد السبسي آنذاك للرئيس التركي أنّ تونس تُصرّ على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وأن دبلوماسيتها المحايدة لا تتوقف عن التأكيد على رفضها التام لسياسة المحاور.
كما فرض الضغط الشعبي وتحركات أحزاب المعارضة على الحكومة التونسية مراجعة اتفاقية التبادل الحر بين البلدين منذ أواخر عام 2017 وذلك لتعديل الميزان التجاري بين البلدين الذي يميل منذ قيادة حركة النهضة للبلاد تحت حكم الترويكا لفائدة الجانب التركي.
وتتهم المئات من الجمعيات الأجنبية الناشطة في تونس منذ عام 2011 بدعم جماعات إرهابية منها أنصار الشريعة، حيث أثبتت العديد من التحريات أن جمعية “قطر الخيرية” والتي قاضتها الحكومة التونسية منذ يونيو 2017 تلقت بين أعوام 2011 و2014 العديد من التمويلات من تركيا.