الدعوة إلى عسكرة الحركة الانفصالية في منطقة القبائل تثير المخاوف في الجزائر

الدعوة إلى عسكرة الحركة الانفصالية في منطقة القبائل تثير المخاوف في الجزائر

عدم التفاعل ورفض فكرة الانفصال لا ينفي وجود أنصار لفرحات مهني يظهرون في مختلف المناسبات ويحاولون اختراق أي حراك محلي، والدفع به للمواجهة مع السلطة.

الجزائر – أثارت دعوة زعيم حركة انفصال منطقة القبائل فرحات مهني إلى عسكرة الحراك المتمرد على السلطة المركزية استياء نخب محلية وتخوفها من توجه الحركة إلى المزيد من التطرف، مقابل الصمت الذي تبديه السلطة تجاه الحراك المتصاعد في منطقة القبائل. وأطلقت الأوساط المحلية رسائل لتبرئة ذمة المنطقة من خطاب التمرد والانفصال عن الجزائر.

ودعا زعيم “حركة انفصال القبائل” (المعروفة اختصارا بالماك) سكان منطقة القبائل لتشكيل ميليشيات مسلحة تكون بديلا للمؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، التي قال إنها تشكل “استعمارا جزائريا لمنطقة القبائل”.

ووصف محمد أرزقي فراد، الباحث والمؤرخ الجزائري المعارض، دعوات مهني بـ”الخطيرة جدا والمجنونة” معتبرا أنها “تجاوزت كثيرا عتبة حرية التعبير لتهديد وحدة البلاد”.

وقال إن “حرص النخب المحلية على إرساء قيم الديمقراطية والحريات لا يمكن أن ترهن مصير المنطقة وتجرها لأن تكون فتيل أزمة وتهديد للوحدة الوطنية، التي كانت هي المدافع عنها خلال الحركة الوطنية” زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر.

وتعد حركة “الماك” تنظيما سياسيا متطرفا رفع مطالب انفصال منطقة القبائل عن الجزائر منذ سنوات. ويملك التنظيم أنصارا له في البعض من بلدات ومحافظات منطقة القبائل التي تعلن في مناسبات عديدة عن موقفها المناهض للسلطة المركزية، وتعتبرها استعمارا سياسيا وثقافيا وتسجل حضورها في مختلف الاحتجاجات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة من حين لآخر.

وأفاد مصدر محلي من محافظة تيزي وزو ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان في منطقة القبائل، لـ”العرب “، أن “خطاب فرحات مهني لا يجد تفاعلا شعبيا لدى سكان المنطقة الرافضين في المجمل لمثل هذه الأفكار رغم خصوصياتهم السياسية والثقافية المعارضة للحكومة”. وأوضح أن عدم التفاعل ورفض فكرة الانفصال “لا ينفي وجود أنصار لفرحات مهني يظهرون في مختلف المناسبات ويحاولون اختراق أي حراك محلي، والدفع به للمواجهة مع السلطة”.

وأضاف نفس المصدر “هناك ممارسات رمزية وشعارات معروفة لأنصار ‘الماك’ في المنطقة، لكن ذلك يصطدم دوما برفض توظيف مواقفهم وتوجهاتهم المعارضة للسلطة لصالح الأجندة الانفصالية أو الشحن المتعمد الباحث عن المواجهة لتسويقها للرأي العام الدولي على أنها قمع للأقلية من طرف السلطات”.

السلطة الجزائرية تراهن على الاحتواء المتواتر للمطالب المرفوعة في المنطقة، من أجل سحب البساط من تحت التنظيم الانفصالي وعزله شعبيا عن قواعده الخلفية

وكتب محمد أرزقي فراد، على مواقع التواصل الاجتماعي، بأن “منطقة القبائل لم تكن في ماضيها البعيد والقريب جزيرة مجنونة تعادي الوحدة الوطنية التي ساهم أبناؤها بفعالية في بناء صرحها فكريا وسياسيا”. وتابع “وعليه فإن تاريخها من هذه الناحية يدعو إلى الارتياح وإلى استبعاد احتمال تحولها إلى حاضنة للفكر الانفصالي الخطر”.

وأكد فراد أنه وجب الشعور بالقلق إزاء “هذا الكابوس المسمى بالفكر الانفصالي”. واعتبر أن “المظالم الداخلية والمطامع الخارجية” تعد بيئة خصبة لتنامي مثل هذه الأفكار والمشاريع، خاصة وأن نماذج التفكك الإقليمي باتت ماثلة للعيان في السنوات الأخيرة. وأشار إلى أن مشروع الانفصال قد يستفيد من دعم محتمل للبعض من القوى الإقليمية والدولية التي تستهدف استقرار ووحدة البلاد في ظل الأجواء المشحونة التي تحيط بالجزائر.

وشدد فراد على أن دعوة فرحات مهني إلى تشكيل ميليشيات مسلحة في منطقة القبائل تحل محل السلطة الجزائرية “هو بمثابة إعلان الحرب على الوطن الموحد وعلى الدولة الجزائرية”.

وأكد أن “من واجب الدولة أن تأخذ هذا الإعلان الخطر مأخذ الجد لا الهزل”. وقال “ما دام فرحات مهني قد تخطى عتبة النضال الديمقراطي فلم يعد هناك عذر لتهوين موقفه الصادم، الذي جعله يدوس على مسار نضاله السلمي الماضي”.

وتراهن السلطة الجزائرية على الاحتواء المتواتر للمطالب المرفوعة في المنطقة، من أجل سحب البساط من تحت التنظيم الانفصالي وعزله شعبيا عن قواعده الخلفية. وفي السنوات القليلة الماضية، افتك الأمازيغ في الجزائر مكتسبات كثيرة كانت إلى غاية ثمانينات القرن الماضي في صلب استقطاب حاد بين السلطة والحراك المحلي وعلى رأسه الحركة الثقافية البربرية.

وضمت الحركة الثقافية البربرية حينها عدة أسماء ورموز هي الآن سواعد السلطة في المنطقة، ومن بينها وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي ورئيس الحركة الشعبية الجزائرية ووزير التجارة السابق عمارة بن يونس.

كما ضمت الحركة رجال أعمال وشخصيات ثقيلة أخرى في المؤسسة العسكرية وفي الحكومة، منهم المدير السابق لجهاز الاستخبارات الجنرال محمد مدين (المعروف باسم الجنرال توفيق ) ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد ورئيس الحكومة أحمد أويحيى وغيرهم.

ومكنت قرارات السلطة، المتمثلة في إدراج اللغة الأمازيغية في الدستور وتعميمها واعتماد رأس السنة الأمازيغية ضمن الأعياد الوطنية وإطلاق مشروع الأكاديمية الأمازيغية، من تخفيف حالة التوتر في منطقة القبائل بشكل عمق الوحدة الوطنية وساهم في العزل الشعبي للمطالب المتطرفة وعلى رأسها الانفصال.

واعتبر فراد، المنحدر من منطقة القبائل، أن “كل دعوة إلى العنف المسلح كوسيلة للتعبير السياسي تستوجب الشجب والإدانة والاستنكار بشدة، لأن العنف اللفظي الصادر عن فرحات مهني، لا يجب أن يتحول إلى شجرة تغطي مظالم النظام”.