شبوه نت

متى يرحل الرئيس؟

يُحمّل السياسيون الحاكمون اليوم قوات الغزو الأميركي مسؤولية خراب الوطن، بسبب إقدامها على تدمير مؤسسات الدولة، وتعمّدها نشرَ الفوضى، بعد حل الجيش وأجهزة الأمن الأخرى.

والمواطن العراقي يحملها المسؤولية، أيضا. ولكن لأنها هي التي لملمت السياسيين المتعطشين للمال والسلطة من مقاهي لندن ودمشق وعمان والرياض ونصَّبتهم حكاما في أغنى وأجمل وطن، وهي تعلم بأن الدولة التي سيحكمونها لن تكون سوى ما هي عليه اليوم، فاشلة مفلسة تسودها شريعة الغاب.

كلّ هذا صحيح، دون ريب. ولكن قوات الاحتلال الأميركي خرجت، أو أخرجت من العراق في العام 2011، ونحن اليوم في العام 2021.

أي أن تسع سنوات مرت على هذا الوطن غير الحر وغير السعيد وهو محكوم من قبل (الوطنيين) المتدينين الذين يخافون الله ويحبون رسوله وآل بيته، مع أكوام من المال التي تدفقت على الخزينة.

فثلاث سنوات نوري المالكي في دورة رئاسته الثانية، بعد خروج القوات الأميركية 2011، وأربع سنوات حيدر العبادي، وسَنة عادل عبدالمهدي الذي طردته انتفاضة تشرين – أكتوبر في أول ديسمبر 2019، وسنة أخرى من حكم الرئيس الحالي، مصطفى الكاظمي الباقي من عهده أشهر قليلة ويرحل ليضمه العراقيون إلى قائمة أسلافه المطرودين المبغوضين المطلوبين للعدالة.

وفي هذه السنوات التسع، مع ألف وخمسمئة مليار دولار، لم تُحرر الحكوماتُ الدينية المتعاقبة عوائدَ النفط من هيمنة الميليشيات التي تتولى تهريبه أو تتلاعب بعدادات تصديره، ولم تضبط المعابر الحدودية، ولم تمنع العصابات من احتلالها وسرقة مواردها، ولم تُنفق على البناء والإعمار والتعليم والصحة والزراعة والصناعة والخدمات نصف الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة وتقنع بسرقة نصفها الآخر.

يقولون إن دخول عصابات داعش إلى المحافظات السنية، وانشغال الدولة بتحريرها، وما تَطلّبته معارك التحريرُ من أموال وجهد ووقت شغَل الحكومات المتعاقبة عن مهمة التعمير وتوفير الخدمات.

ممكن، ولكن داعش كان في المدن المحتلة التي أصبحت تسمى المحررة. أما محافظات الوسط والجنوب (الشيعية) فلم يكن فيها داعش، ولم يَشغل الحكومة الوطنية (الشيعية) شاغل عن أن توفّر لأهلها الماء الصالح للشرب، والكهرباء، والدواء، والمستشفيات، والمدارس، والطرق النظيفة المعبدة المسورة بالزهور والرياحين، ومدّ المزارعين بما يحتاجونه لتأمين حاجة المواطن من الإنتاج المحلي، وتعضيد الصناعة، وتأمين الأمن، وضمان كرامة المواطن، ووقف الاغتيال والاعتقال الكيفي، ومنع سرقة أموال الدولة، لتصبح الناصرية والعمارة والنجف وكربلاء والحلة والديوانية والبصرة والكوت أجمل من روما، وأرقى من أمستردام، ويومها كان سيقال إن أحزاب السلطة قامت بواجبها الوطني والديني والإنساني كاملا، وتُشكر عليه.

منذ حزيران – يونيو العام الماضي، وحتى حزيران – يونيو الحالي، لم ينجز الكاظمي المعين رئيسا للحكومة أيا من المهام التي جاء من أجلها، وأولها وأهمها توفير بيئة انتخابية سليمة، وضبط الأمن، ومنع الاغتيال، وكشف قتلة المتظاهرين، والإطاحة بالمختلسين الكبار، وحصر السلاح بيد الدولة

وها هو حال العراق اليوم. وطن بلا حدود ولا سيادة ولا كرامة. ومنذ يونيو العام الماضي، وحتى يونيو الحالي، لم ينجز مصطفى الكاظمي المعين رئيسا للحكومة أيا من المهام التي جاء من أجلها، وأولها وأهمها توفير بيئة انتخابية سليمة، وضبط الأمن، ومنع الاغتيال، وكشف قتلة المتظاهرين، والإطاحة بالمختلسين الكبار، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع تجاوزات الميليشيات، واستعادة سلطة القانون، وتحرير المعابر من العصابات، ومنع سرقة النفط، والحيلولة دون تهريب الأموال إلى الخارج، وإعداد قانون انتخابات صالح وغير ملغوم تمهيدا لإجراء انتخابات غير مغشوشة، رغم أنه جاء مدعوما، بلا حدود، من الجيش والقوات المسلحة، ومع ما منحته انتفاضة أكتوبر من دعم شعبي هائل لم يتوفر لأحد من أسلافه الفاشلين.

وآخر أخباره السيئة حضورُه استعراضَ الحشد الشعبي الذي أثبت، بالأسلحة التي عُرضت فيه، أنه جيش حقيقي أقوى من جيش الحكومة، وبالهتافات والشعارات التي رُفعت فيه برهن على أنه جيش إيراني، لحما ودما وسلاحا.

وفي هذا الاستعراض المعيب ظل رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة الذي دأب على الشكوى من تجاوزات السلاح المنفلت، ومن تسلط اللادولة على الدولة، واقفا طوال الوقت ليحيّي حمَلة السلاح المنفلت، ثم يسمح لقائد الميليشيات التي تحدّته وأهانته وهدّدته بقطع أذنه بأن يطوق بذراعه كتفي الرئيس، وكأنه يريد أن يقول إن رئيس وزرائكم ليس رئيسا ولا هم يحزنون.

والأكثر غرابة أنه خاطب (أبناء الحشد الشعبي) بقوله، “بكم نستعيد للعراق دوره التاريخيّ في المنطقة”.

فأي دور تاريخي يتحدث عنه الرئيس وإيران هي التي تقرر وتأمر وتطاع، وهي التي على امتداد تاريخها الطويل، أينما تحل يحلُّ معها الفقر والجوع والخرافة والرشوة وتجارة المخدرات وتزوير الشهادات.

حتى لم يَصدُق أحد في وصفها أكثر من الرئيس الباكستاني ضياء الحق الذي قال إن “المتعامل مع إيران كالمتعاملِ مع الفحم، لا يناله منه سوى سواد الوجه واليدين”.

ورغم أن الكاظمي، منذ أن تولى السلطة في العام الماضي، ظل يحاول أن يبرّئ نفسه من تهمة التبعية لإيران وميليشياتها إلا أن الواقع الحقيقي الملموس يثبت عليه التهمة كل يوم من أيام حكمه غير الرشيد.

أعلن في بروكسل للممثلين الدائمين لدول حلف شمال الأطلسي، “رفضَ العراق، بشكل قاطع، استخدام أراضيه للاعتداء على جيرانه”.

وهو يعلم، ونحن نعلم، والعالم كله يعلم بأن هذا كلام في كلام، وبأنه ليس صاحب قرار، وليس في قدرته أن يفعل ما لا يريده الإيرانيون. واللعبة أكبر منه بكثير، ولن تنتهي عليه وعلى الشعب العراقي بخير، وهي مستمرة، والحبل على الجرار. ويوم سعيد يوم رحيل السيد الرئيس المنتظر، ليُريح ويستريح.


أحدث التعليقات

    اخر التعليقات

    بحث في المقالات

    تصنيفات

    صورة

    ملخص مبارة النصر السعودى والسد القطرى

    الأرشيف