شبوة نت

جاك ماري بورجيه: بعد تركيا، قطر أكبر دولة تبشيرية

باريس – يعدّ جاك ماري بورجيه من الكتّاب الفرنسيين البارزين ومن الصحافيين الاستقصائيين المعروفين بمصداقيتهم. كان بورجيه مراسلا حربيا وخبيرا في شؤون الشرق الأوسط. وعمل في إذاعة فرانس إنتير، وصحيفة لوكانار أونشيني الفرنسية الساخرة، والصحيفتين الأسبوعيتين ليكسبريس وباري ماتش. حصل على جائزة سكوب سنة 1986 لتقريره عن قضية إغراق السفينة رينبو واريور التابعة لأسطول منظمة السلام الأخضر. وكشف عن اغتيال الإعلامي البريطاني روبرت ماكسويل الذي بدا وكأنه انتحر في البداية.

أثناء عمله برام الله في الضفة الغربية، أصيب بورجيه بجروح خطيرة على يد جندي إسرائيلي في 21 أكتوبر 2000. وفي سنة 2012، نشر كتابا عنوانه “صبرا وشاتيلا، في قلب المذبحة”، مع صور التقطها مارك سيمون. ثم انتقل اهتمامه إلى التركيز على الدور القطري في أوروبا، وسلط عبر عدة كتابات ما وصفه بـ”حملات التبشير” القطرية في  فرنسا. ومن مؤلفاته في هذا السياق كتاب “قطر الصغيرة الشريرة، الصديق الذي يريد بنا الشر” (دار النشر فايار سنة 2013).

ويشرح بورجيه، في لقاء مع صحيفة العرب ويكلي الناطقة باللغة الإنكليزية، الأسباب التي دفعته إلى تأليف مثل هذا الكتاب، وكيف قادت حملة إعلامية ضخمة لتلميع صورة قطر إلى تحقيق استقصائي خلص في نهايته إلى حقيقة معاكسة لما يروج له.

* من أين جاءت فكرة كتاب “قطر الصغيرة الشريرة، الصديق الذي يريد بنا الشر”؟

بحث واستقصاء أمر ما في هذه الدولة الصغيرة

جاك ماري بورجيه: جاءت انطلاقا من حالة الهوس الإعلامي بدولة قطر التي رصدها الكاتب خاصة في المنافذ الإخبارية الفرنسية.

أشار الصحافي الفرنسي إلى أن الحملة الإعلامية المكثفة، التي عمدت إلى تقديم قطر في الكثير من الأحيان كنموذج للإسلام الحديث وصديقة العلم والفنون والثقافة والتسامح، أثارت فضوله ودفعته إلى البحث واستقصاء أمر ما في هذه الدولة الصغيرة.

بدأت تحقيقي دون تحيز، لكنني وجدت الحقيقة بسرعة: كان كل ما قيل وكتب عن قطر مزيفا وتموّله الدولة. ذكّرني الأمر بقرى بوتيمكين، التي سميت على الوزير الروسي في سنة 1787، والذي أمر ببناء واجهات من الورق المقوى في القرى التي زارتها الإمبراطورة كاثرين الثانية.

* كنت أول صحافي استقصائي يهتم بدولة قطر ويدين سياساتها الناعمة في فرنسا. مع صعود الفكر الجماعي في فرنسا والنقاش القائم حول ما يسمى بالحجاب الإسلامي الذي تدعمه الدوائر القريبة من الإخوان المسلمين واليمين المتطرف من الإسلاميين والعنصريين، كيف تفسر سياسة الحكومات الفرنسية العمياء تجاه قطر والممتدة لأكثر من عقدين؟

جاك ماري بورجيه: أرى مسألة صعود الفكر الجماعي الإسلامية أمرا مؤلما للغاية. بعد أن نشأت في أحضان الدين الكاثوليكي الذي يعتمد بعض المبادئ الأكثر سذاجة، أصبحت أرى جميع الأديان من زاوية سلبية.

ومع ذلك، يجب أن يكون المرء غبيا ليحلم بنوع من العلمنة العالمية. بعد أن سافرت إلى بعض الدول العربية وعشت فيها، أصبحت أعرف أن الإسلام أساسي مثل الخبز. وكان وسيلة للعلم والمعرفة على امتداد التاريخ. وهل أحتاج إلى التذكير بدور الأندلس؟

تخلق المشاكل عندما يتحول الدين إلى أداة سياسية. شاهد خطابا ألقاه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عن أحد قادة الإخوان المسلمين الذي طلب منه فرض ارتداء الحجاب على جميع المصريات. أجابه عبدالناصر: “أنت لا تستطيع حتى فرضه على ابنتك وتريد مني أن أفرضه على جميع أخواتنا”! هذه هي المشكلة. صلّ كما تريد، ولكن اترك السلطة وشأنها.

في فرنسا، أشعر بعدم الارتياح لأن انتقاد الحجاب والسلوك العدواني الذي يعتمده الإسلام السياسي يضعانك في صف العنصريين والناشطين اليمينيين المتطرفين. لذا، يجد الذين يتبنون مبادئ الإنسانوية والديمقراطية أنفسهم عالقين بين خيارين متطرفين. ونعلم من تجاربنا ومن تحقيقاتنا ومن عيشنا في الدول الإسلامية أن هذا الإسلام السياسي لم يصعد وحده.

في فرنسا، ترعى دول مثل قطر هذا التيار وتشجعه وتنظمه. وترحّب المجتمعات الفقيرة بـ”الزكاة” من جمعيات الدوحة الخيرية كمساعدات. إنه فخ.

عشنا في بلدان إسلامية سارت فيها النساء في الشوارع بحرية ودون حجاب. لكنْ، يواجه الفرنسيون اليوم صعوبة في تخيل الحجاب كعلم للإسلام السياسي وأنه منتج مورّد من هذه الجماعات.

* منذ انقلاب سنة 1995، أصبحت قطر لاعبا سياسيا يريد التأثير على مجرى التاريخ في العالم الإسلامي. هل تعتبر هذا من جنون العظمة أم تعتقد أن قطر تخدم مشروعا أكبر؟

جاك ماري بورجيه: تعدّ قطر كبيرة لأنها صغيرة. دعونا نتذكر الدبلوماسي الروسي في الأمم المتحدة الذي غضب من ممثل الدوحة وقال له إن نهاية قلم رصاصه تكفي لمحو بلاده من الخارطة.

نظرا لافتقار قطر -وهي دولة لها ديون بالتأكيد ولكنها تسبح في الذهب- إلى المساحة الإقليمية، صار لديها نوع من الأيديولوجيا الاستعمارية والرغبة في الغزو. لقد رأينا هذا في الماضي مع قوة البندقية. لكن الأموال تحمل الوهابية القطرية، وأصبحت جواز سفر عالميا.

قبل 5 أو 6 سنوات، حاولت قطر أن تنشئ مؤسسة تشبه المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا. وكان هذا التكتيك في الواقع وسيلة للسيطرة على الإسلام في فرنسا بطريقة يصبح فيها أمير قطر ويوسف القرضاوي في موقع مشابه للخلفاء.

رغبة في الغزو والاستعمارية
رغبة في الغزو والاستعمارية

* لعبت قطر وتركيا -وكلاهما من رعاة الإخوان المسلمين- دورا حاسما (تمويل الشبكات الإرهابية والجهادية وبعثها) في تأجيج “الربيع العربي”. لماذا حسب رأيك؟

جاك ماري بورجيه: لعبت قطر، مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كحليف وشريك لها، دورا كبيرا وبغيضا في تدمير ليبيا. وتمت خياطة أعلام الجماعات الجهادية التي رفعت في بنغازي في قطر قبل وقت طويل من بدء الهجوم ضد القائد الليبي الراحل معمر القذافي، بهدف نهب نفطه وملياراته. أين الـ170 مليار دولار التي خبأها الزعيم الليبي في بنوك مختلفة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الـ50 مليار دولار في الدوحة؟ من ساعد حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا وموّلها، وخاصة في مالي؟ من الذي نجح في إقناع فرنسا بقبول قطر كعضو في منظمة الدول الفرنكوفونية بسهولة بينما يعرف الجميع أن الإمارة لم تكن مؤهلة؟ سمحت هذه العضوية لقطر بتحويل العديد من المدارس في غرب أفريقيا إلى مدارس دينية. من كان على اتصال ببوكو حرام في جنوب النيجر غير قطر؟ تبدو ممارسات فرنسا وبلدان الغرب انتحارية، إذ تشجّع هذه البلدان قطر مقابل أرباح مالية مريبة.

إلى جانب تركيا، تعد قطر أكبر دولة تبشيرية في فرنسا. دعونا نتذكّر أصل طارق رمضان الذي كونته قطر وساعده رجال مثل إيدوي بلينيل الذي مهّد لهذا النوع من الدعاية. ونال بلينيل نفسه جائزة من الإخوان المسلمين الأتراك.

تم توثيق مساعدات الدوحة للربيع العربي وللمنظمات الجهادية مثل جبهة النصرة. وتدرّب العديد من شباب تونس وسوريا ومصر وليبيا من قبل هياكل أميركية قطرية أشرفت على تمويلهم، وكانت قناة الجزيرة موجودة لنشر الأكاذيب واستفزاز الآخرين.

* كيف تفسر الروابط التي تجمع بعض النخب الحاكمة في فرنسا مع قطر على جميع المستويات؟ فهي تشتري الأسلحة (وخاصة الطائرات الحربية من رافال)، وتوفر الاستثمارات المالية والمنافذ الإعلامية، وترعى الأحداث الرياضية.

جاك ماري بورجيه: لا تعدّ النخب الفرنسية مقاومة للفساد ولا يحمل مال قطر رائحة. إنه في الواقع غريب وشرقي، و”بقشيش مرحب به كبادرة ثقافية” كما يقول إدوارد سعيد. وقد رأينا عددا من المفكرين الفرنسيين -مثل بلانتو وجان دانيال- يهرعون إلى السفارة القطرية في باريس لاستلام 10 آلاف يورو كجائزة.

يمكن لقطر أن تموّل الندوات والرحلات والمؤسسات ومراكز البحث والعلماء وغيرهم. وفي فرنسا، تم إعفاؤها من ضريبة المكاسب العقارية، بسبب “حداثتها وإجراءاتها الإيجابية الرامية إلى تحقيق الإسلام المبني على التسامح الذي تدعو إليه الجزيرة”.

* هل تتلخص سياسة قطر تجاه أوروبا في استخدام أصولها المالية للفوز بخدمات من السياسيين بينما تمول الإخوان المسلمين وغيرهم من الجماعات المتطرفة التي تهدد قيم المجتمعات الأوروبية؟ ألا يذكرك هذا بالاقتباس الشهير المنسوب إلى لينين: “سيبيعنا الرأسماليون الحبل الذي سنشنقهم به”؟

بورجيه: أصبحت لعبة قطر واضحة في فرنسا

جاك ماري بورجيه: أصبحت لعبة قطر واضحة في فرنسا وإن كانت تحاول تبني المزيد من السرّية. اليوم، تحاول “النخبة” ألا تجلب الانتباه عند حضور حفلة تنظمها قطر. وامتدت اللعبة الجديدة الآن إلى البلقان، أين تعتزم إقامة قاعدتها الأوروبية الجديدة. وأصبح أعضاء البرلمان الأوروبي مشغولين إلى درجة أنهم لا يرون أي مشكلة في صعود هذا الإسلام السياسي باعتباره “منظما”.

* كيف تفسّر قبول السلطات الفرنسية -وخاصة المجلس الأعلى للسمعيات والبصريات- لقناة الجزيرة القطرية التي تبث في فرنسا وتنشر الأيديولوجيا الأصولية في ضواحيها، وتلمح في دعواتها إلى القتل، في حين تتم مراقبة القنوات الأجنبية الأخرى مثل “آر.تي فرنسا” أكثر؟

جاك ماري بورجيه: تكمن قوة قطر من حيث الدعاية في اعتمادها على مجتمع يتحدث باللغة العربية، وهي لغة لا يفهمها الكثير من الفرنسيين. يسمح هذا النقص للدوحة بنشر أي أخبار مزيفة تخدم الدعوة إلى العنف. ولا يتحكم المجلس الأعلى للسمعيات والبصريات في أي من هذه الأمور. وإذا كانت هناك مشكلة، فستتدخل السلطات السياسية لإلغاء أي عقوبات. ولكن هذا لا يشمل قناة المنار المحظورة بناء على طلب من إسرائيل. أما في حالة “آر.تي فرنسا”، فيعدّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الهدف، إذ لا يصنف ضمن الزعماء الأصدقاء.

* طلبت قطر من الاتحاد الأوروبي ضمان إعفاء لحاملي جوازات السفر القطرية من تأشيرات الدخول إلى منطقة شنغن. ألا يسمح هذا بفتح الباب أمام القطريين الذين يعملون تحت قناع الأنشطة الخيرية؟ ألن يفتح هذا صندوق الباندورا؟

جاك ماري بورجيه: هذا أمر لا يفاجئني. أدركت الدوحة وجود أرضية حقيقية يمكن غزوها في أوروبا مع الانقسام القائم بين دول القارة، والفساد وثقل جماعات الضغط.

* هل اشترت قطر شرف تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم؟ هل يمكن أن يتراجع الاتحاد الدولي لكرة القدم عن قراره الذي يسمح بتنظيم مباريات كأس العالم 2022 في قطر مع كل التقارير التي تنتقد عملية اختياره؟

جاك ماري بورجيه:  في كتابي عن قطر، وصفت ملاعب كرة القدم الفارغة خلال بطولة كرة القدم، حيث يذهب الرجال لمشاهدة الأفلام على أجهزتهم الإلكترونية. خلال بطولة العالم لألعاب القوى، كان الملعب كبيرا مقارنة بالجمهور مما دفع إلى تغطية أجزاء منه لتقليص حجمه. ويعدّ إسناد شرف تنظيم المنافسة العالمية إلى قطر أحدث حلقة في فساد الزعماء غير الأميركيين الذين لا يفكرون في هذه الرياضة بل في حساباتهم المصرفية في سنغافورة.

ستؤكد فعاليات كأس العالم في سنة 2022 الجحيم الذي تسبب في وفاة 2000 عامل أثناء بناء الأبراج والملاعب في الدوحة، وهي فضيحة معروفة لدى المهندسين المعماريين الفرنسيين في باريس.


أحدث التعليقات

    اخر التعليقات

    بحث في المقالات

    تصنيفات

    صورة

    ملخص مبارة النصر السعودى والسد القطرى

    الأرشيف