صحيفة شبوه نت

قرارات ترامب تدق إسفينا جديدا في نعش النظام الدولي

قرارات ترامب تدق إسفينا جديدا في نعش النظام الدولي

الحسابات الانتخابية تغذي الرغبة في تغيير شكل التفاعلات الدولية، وقادة واشنطن تعودوا على اتخاذ مواقف مثيرة في مواسم الانتخابات.

مع ظهور بوادر عدة تؤكد بداية انهيار هيكلة النظام العالمي الحالي الذي حكم العالم وسطر كل خطواته على جميع المستويات طيلة عقود، تميّزت العديد من القرارات التي تعتمدها الدول الكبرى كالولايات المتحدة، بالذهاب مباشرة لاتخاذ مواقف هامة وتطبيقها على أرض الواقع لضرب عصفورين بحجر واحد، أولهما وضع أولى البصمات على بنيوية النظام العالمي الجديد. وثانيهما، الدفع نحو تغيير التفاعلات الدولية لغايات انتخابية، وكل هذا ينطبق على الخطوة الأخيرة التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوقيع مرسوم يعترف بأحقية إسرائيل بالاستحواذ على مرتفعات الجولان السورية المحتلة.

القاهرة – تلعب الحسابات الاستراتيجية للدول دورا مهما في تشكيل العلاقات الخارجية، وتساهم تداعياتها المختلفة في ترجيح كفة قوى وخفضها بالنسبة لأخرى. هكذا أثرت الكثير من التفاعلات المنطلقة من مصالح قومية في بنية النظامين الإقليمي والدولي. وكانت التقديرات الشخصية المرتبطة بالزعيم أو الرئيس محدودة، أو بمعنى أدق غير ظاهرة في أجندة قادة الدول الكبرى، وإن وجدت لا تخلو من مبررات يتم صياغتها على أسس لها أبعاد وطنية.

مع السيولة السائدة في الكثير من دول العالم، وتنامي الدور الذي تلعبه القوى الخارجية في الأحداث والتطورات الداخلية، التفت البعض من القيادات والأنظمة إلى هذه المسألة، وبدأوا الدخول في مرحلة مغايرة من التفاعل مع إفرازاتها، وتوظيفها إيجابيا أو للحد من انعكاساتها السلبية، ما ألقى بظلاله على توجهات الدولة وعلاقاتها في نطاق الإقليم أو ما وراءه.

أخذت هذه العملية تتبلور حتى شكّلت ما يشبه الظاهرة السياسية، التي تزداد رواجا وقت الانتخابات والمحن، خاصة عندما يريد رئيس دولة ما الحصول على دعم الجهة التي يستهدفها بسياساته وقراراته، وهو ما وضع بعض الملفات والقضايا المطروحة على الساحة العالمية محل مزايدات ومساومات، وكأنها جزء أصيل في اللعبة الداخلية.

تطور هذا الاتجاه إلى حد أنه أصبح في مقدمة المنظومة الانتخابية لدى بعض الزعماء، حتى تركت آثارها على التفاعلات الدولية، فإذا أخذ رئيس دولة أو حكومة موقفا سياسيا في شأن ملف خارجي يتعلق بدولة أخرى من الطبيعي أن تكون له ردود فعل، مع أو ضد، ويتسع نطاق التأثير كلما كان الموقف يمس قضايا ذات حساسية عالية لدول أخرى أو بحروب إقليمية مفتعلة، ويبدو خارج نطاق المألوف في الكتل المتباينة على الصعيد العالمي، أو يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية.

في هذا السياق، يمكن فهم جانب من معالم الخطوة التي أقدم عليها مؤخرا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بخصوص منح إسرائيل أحقية الاستحواذ على هضبة الجولان السورية المحتلة. وهو تحرك قد يغير بعض الموازين في التفاعلات، لأنه يخرق القانون الدولي المتفق عليه، ويؤسس لآليات جديدة فيه، ويشرعن فكرة القوة المعنوية المفرطة في مواجهة القوة المادية الحقيقية التي يملكها مجلس الأمن.

لهذه الخطوة علاقة بالأجواء السياسية الغامضة التي تحيط بترامب. وتقلل في مجملها من حظوظ فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ولها علاقة برغبته في دعم حليفه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل، في انتخابات الكنيست والمقعد المستقل لرئيس الوزراء. وهو ما جعل التصرف محل غضب عارم من الدول العربية المعنية، وغيرها من الدول التي ترى أن ما قام به ترامب يمثل لطمة سياسية على وجهها، ويضر بسمعتها، ويدمغها بالتواطؤ ما لم تتخذ إجراءات صارمة تعبر عن الرفض الحاسم لها.

درجت قيادات الولايات المتحدة على التعبير عن سياسات حادة أو لينة حيال بعض القضايا في مواسم الانتخابات، لكن في غالبيتها كانت تتعلق بالمواقف من دون أن تتخذ شكل قرارات حاسمة ومصيرية، لأن الجهة الأساسية التي تملك هذا الحق في النظام الدولي، هي الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، والمؤسسات والجهات المتفرعة عنهما، ولأن واشنطن فقدت نسبة من دورها القائد في هذه الهياكل لجأت إلى الإجراءات الفردية الصادمة.

قذف ترامب بقراره حول هضبة الجولان بحجر جديد في بنية النظام الدولي، الذي يعاني من تآكل تدريجي خلال السنوات الماضية، لكن جميع القوى الكبرى حرصت على الانسجام مع المعطيات التي خلفّها الترهل العام، ولم تجرؤ على المجاهرة بهدمها، وكان من يبدي خلافا يسلك طريق الانسحاب أو الامتناع عن تقديم الدعم المادي، من دون أن يمنح نفسه حق إضفاء شرعية على إقليم أو منطقة محل التباس أو يفرض على الآخرين اتباعه بحكم الأمر الواقع.

الخطوة التي أقدم عليها مؤخرا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بمنحه إسرائيل أحقية الاستحواذ على الجولان السورية المحتلة، هي تحرك قد يغيّر بعض الموازين في التفاعلاتالخطوة التي أقدم عليها مؤخرا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بمنحه إسرائيل أحقية الاستحواذ على الجولان السورية المحتلة، هي تحرك قد يغيّر بعض الموازين في التفاعلات

يفضي قرار ترامب إلى دق مسمار في نعش الصورة الدولية المتعارف عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويوفر بيئة مناسبة لاستعراض العضلات السياسية في قضايا عديدة محل التباس، وهو ما ظهرت ملامحه مبكرا مع قيام روسيا بفرض سيطرتها على شبه جزيرة القرم، وسط تحركات دولية خجولة لم تثنها عن التراجع.

قصد ترامب إحداث هزة جديدة في العالم أم لم يقصد، فمنذ صعوده إلى السلطة وهو يتبنى تصورات خارجة عن الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية، وسبق الجولان دعمه الاعتراف بالقدس المحتلة كعاصمة لإسرائيل، مع أن الأمم المتحدة وغالبية أعضائها لم يعترفوا بذلك، وسجلوا رفضهم، وكشفوا عن جوانب عدة من المخاطر التي حملها، لكنهم لم يتخذوا إجراءات ملموسة توقف نزيف الاعترافات المتتالية.

مضى هذا القرار، ودخل حيز التنفيذ من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، ولم يتخذ العالم موقفا رادعا جماعيا منه، باستثناء نداءات الشجب والإدانة والرفض. وفي النتيجة النهائية تحول ترامب إلى بطل قومي في إسرائيل ولدى معظم اليهود في العالم، الأمر الذي دفعه إلى تكراره مع الجولان. وهي قضية لا تقل التباسا عن القدس، وكانت قاب قوسين أو أدنى من عودتها شبه كاملة في أواخر عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

 

تلتحف قرارات ترامب في القضايا المصيرية برداء الانتخابات أحيانا، ويتفهم كثيرون دواعيها الداخلية، ومنهم من يتعامل معها باعتبارها نزوة سياسية يمكن مراجعتها أو دحضها لاحقا.

لكن هناك من يراها تؤسس لنظام دولي جديد، يخرج منه بعض اللاعبين المهمين على المسرح العالمي أو يتم قصقصة أجنحتهم، وتصب محاولات الرئيس ترامب في عزمه على وضع نواته قبل رحيله عن البيت البيض، من خلال تصرفاته الشعبوية، التي يستحسنها تيار اليمين المتطرف.

وتصب كلها في خانة هدم التوجهات الجماعية، التي تقلل من أهمية المزايا التي حظيت بها بعض القوى الدولية، وجعلتها في مواجهة واشنطن، التي لم تستطع وقف نموها، وتخشى أن تتسارع الوتيرة بما يفوقها خلال العقود المقبلة.

أقدم الرئيس الأميركي الفترة الماضية على حزمة تحركات على صعيد الخروج من هياكل الأمم المتحدة أو التقليل من أهميتها، وعلى مستوى التصرفات التي أخذت بعدا جماعيا مع حلفائه (الملف النووي الإيراني مثلا)، لأنه يميني متطرف ويريد لبلاده المزيد من الهيمنة على العالم، ولا يملك الأدوات الكاملة التي تساعده على فرض السيطرة على دول لديها ما تناطح به بلاده.

تقود سياسات ترامب إلى إرباك النظام الدولي، والسعي الحثيث لإعادة تشكيله بالطريقة التي تتواءم مع مصالح الولايات المتحدة البعيدة، كما يراها تياره، وتقوم على تقليص نفوذ القوى المنافسة، دون تخل عن السباقات التقليدية في التقدم والتسلح، والذي ثبت أن الكثير من دول العالم يملك مقاومات لا تقل عما بحوزة الولايات المتحدة من أدوات تضعها على قمة جبل العالم.

لذلك بات ترامب أمام خيارين، إما أن ينجح في تهيئة الظروف الداخلية التي تضمن نجاحه في الانتخابات المقبلة بسهولة، عبر قرارات صاخبة من نوعية القدس والجولان، وإما أن يتهاوى أمام المطارق التي لم تتوقف عن تقويض تجربته اليمينية، لأنها تفتح المجال لتخريب المعالم الإنسانية الظاهرة التي حافظت عليها الولايات المتحدة، وسط رضوخ بعض مؤسساتها لمطالب متشددة في عهد قيادات جمهورية سابقة.