صحيفة شبوه نت

ترامب يعدل عقارب ساعة الحرب.. القدس ثم الجولان، ماذا بعد

ترامب يعدل عقارب ساعة الحرب.. القدس ثم الجولان، ماذا بعد

الساحة اللبنانية تعيش حالة توتر بشأن ما يخبّئه المستقبل من قرارات أميركية قد تزيد في أطماع إسرائيل الساعية أيضا لنيل السيادة على مزارع شبعا.

تؤكّد كل الخطوات التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه ماض وبلا تراجع في تنفيذ كل وعوده الانتخابية وأنه يرد على الهدايا التي قدّمتها مؤسسات اللوبي الإسرائيلي له خلال انتخابات 2016 بهدايا أفضل منها، فمن اعترافه بأن القدس عاصمة إسرائيل وصولا إلى التوقيع على اعتراف مكتوب بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية، بدا واضحا أن ترامب هو الآن في مرحلة بسط أرضية ملائمة لتفجير النزاعات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة وفي العالم بصفة عامة بإدارته كل عقارب الساعة إلى الوراء والعودة بطرق منافية لكل التشريعات الدولية إلى فترتي الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين افتكت فيهما بالقوة القوى الكبرى أراضي كثيرة في مختلف أصقاع العالم.

نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل وعوده المقدّمة إلى حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل انتخابات الكنيست الإسرائيلي ببضعة أيام عبر توقيعه رسميا مرسوم الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة.

وبإجماع دولي كبير، أثار القرار الأميركي موجة رفض واسعة النطاق وتحذيرات إقليمية ودولية من تداعيات خطيرة، مع التأكيد على أن الخطوة لم تحترم المواثيق والمعاهدات وخاصة القانون الدولي.

وقبل التوقيع الرسمي على مرسوم الاعتراف، ذهبت كل القراءات إلى التأكيد على أن ترامب يثير مرة ثانية أزمة لا تلقى إجماعا دوليا، ما قد يخلق سوابق تبرر نزعات توسعية لدى دول أخرى في العالم.

واحتلت إسرائيل القسم الأكبر من هضبة الجولان السورية عام 1967 وقامت بضمها عام 1981 رغم معارضة المجتمع الدولي، إلا أن ترامب اعتبر أنه “بعد 52 عاما حان الوقت” لتعترف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على هذه الهضبة.

 

وتنتهك خطوة ترامب قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي يؤكد الوضع القانوني لهضبة الجولان السورية كأرض محتلة، ويرفض قرار ضم إسرائيل لها، عام 1981، ويعتبره باطلا ولا أثر قانونيا له.

وبالنظر إلى هذه الخطورة رفضت جل الدول، ومنها روسيا واليابان والإمارات والسعودية وكذلك هياكل أخرى كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، خطوة الرئيس الأميركي معربة عن رفضها القاطع الاعتراف بسيادة إسرائيل على الأراضي التي تحتلها منذ 1967، بما فيها مرتفعات الجولان.

ووفقا لكل هذه الهدايا التي يوزعها ترامب على حليفته إسرائيل، فإن ما يستنتج بصورة واضحة أن اللوبي الإسرائيلي نجح قبل وبعد الانتخابات الأميركية عام 2016 في التأثير على القرارات الأميركية بضغط من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك”، ما دفع بالديمقراطيين -ليس بسبب الغيرة على الجولان أو القدس بل انزعاجا من دعم “أيباك” المتواصل لترامب- إلى عدم الحضور في مؤتمرها السنوي.

لكن يبقى الأخطر من كل هذا أن عدة تحليلات أخرى لخطوات ترامب المتسارعة وغير الواضحة في آن واحد بتهجمه على الدول الكبرى كروسيا أو الاتحاد الأوروبي أو بلدان كالصين وكوريا الشمالية ومن ثم التراجع والعودة إلى خطاب المغازلة، تؤكد أن الرئيس الأميركي هو الآن بصدد وضع بصماته الأخيرة على أرضية ملائمة لاندلاع صراعات وحروب أكثر دموية على شاكلة تلك التي حدثت في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

مخاوف لبنان

عاش العالم من 1914 إلى غاية 1945، تاريخ نهاية الحرب العالمية الثانية أو ما بعد هذه الفترة، توترات كبرى في مختلف أنحاء العالم تمحورت كل أسبابها حول السياسات التوسعية للدول الكبرى وهو ما سمح لإسرائيل بكسر كل المعاهدات الدولية حتى بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة في عام 1945 واغتصاب الكثير من الأراضي العربية واحتلالها ومنها مرتفعات الجولان.

وتثير القرارات الأميركية غير المتطابقة مع التشريعات الدولية، مخاوف عدة دول عربية وعلى رأسها لبنان. وفي الوقت الذي يوجه فيه العرب بوصلتهم دائما إلى فلسطين بطريقة توحي بأن احتلال أراض عربية يقتصر على فلسطين ومرتفعات الجولان السورية المحتلة، توجد أراض أخرى محتلة من قبل إسرائيل وبنفس الطريقة تقريبا وهو ما يستدعي وجوبا طرح السؤال حول ما يفكر به ترامب في المستقبل بشأنها.

بدا واضحا أن لبنان اليوم هو الأكثر انزعاجا من قرارات الإدارة الأميركية بسبب مخاوف تكتسح المشهد السياسي في هذا البلد من أن تكون مزارع شبعا المحتلة هي الخطوة القادمة للرئيس الأميركي الذي أغدق على إسرائيل بهدايا عجزت عن أخذها طيلة عقود.

ديمتري بيسكوف: قرار الرئيس الأميركي بشأن الجولان سيؤدي حتما إلى نتائج سلبية

وتعتبر مزارع شبعا اللبنانية المحتلة من قبل إسرائيل جزءا من المناطق الحدودية اللبنانية المحاذية لهضبة الجولان السورية وذات أهمية استراتيجية بالنسبة للجهتين السورية واللبنانية، إضافة إلى أهميتها الاقتصادية، لذلك لم تقم إسرائيل بإخلائها عند الخروج من جنوب لبنان في مايو 2000، بحجة أنها أرض سورية في حين أن جميع الوثائق التاريخية تثبت أنها لبنانية.

وتقع مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وهضبة الجولان التي كانت الحدود اللبنانية السورية قبل يونيو 1967 واليوم هي الحدود بين لبنان والجزء من الجولان الخاضع للسيطرة الإسرائيلية.

وبدا التوجس اللبناني واضحا، حيث قال الرئيس اللبناني ميشال عون إن اعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان يتناقض مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

وأضاف خلال لقائه برئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، في موسكو الثلاثاء إن “الأمة العربية تعيش يوما أسود بسبب قرار ترامب حول اعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على الجولان”، مضيفا أن “هذا القرار يمس المصالح اللبنانية بشكل مباشر أيضا”.

وشدد على أنه “لا يحق لرئيس دولة أجنبية التصرف في أراضي الغير”، وأن قرار ترامب يتناقض مع القانون الدولي، محذرا من أن ذلك قد ينطوي على تصعيد حدة التوتر في المنطقة.

ويجمع المراقبون على أن الساحة اللبنانية تعيش حالة توتر بشأن ما يخبّئه المستقبل من قرارات أميركية قد تزيد في أطماع إسرائيل الساعية أيضا لنيل السيادة على مزارع شبعا.

كل هذا أكده مفتي الديار اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان الذي قال إن “هضبة الجولان السورية التي يحتلها العدو الإسرائيلي هي أرض عربية سورية، وما صدر عن الإدارة الأميركية بالاعتراف بسيادة إسرائيل عليها هو انتهاك ومخالفة لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون والقرارات الشرعية الدولية، وستكون له تداعيات خطيرة في الشرق الأوسط وعلى أمن واستقرار وسلام المنطقة”.

وحذر المفتي من “أي تهاون في حق لبنان في أرضه المحتلة بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي لا زالت تحت الاحتلال الصهيوني الغادر”.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلانا في 25 مارس يعترف فيه بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولانوقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلانا في 25 مارس يعترف فيه بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان

وما يزيد في دعم فكرة أن ترامب يريد إحياء صراعات قديمة لم يتم التحكيم فيها دوليا، أن قراره تزامن أيضا مع مرور 40 عاما على توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، حيث صادف الثلاثاء 26 مارس ذكرى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، في واشنطن عام 1979، ووقع عليها آنذاك الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، برعاية رئيس الولايات المتحدة آنذاك جيمي كارتر.

هدايا لقوى أخرى

تشير عدّة ترجيحات إلى أن الرئيس الأميركي ومن ورائه إسرائيل يدفعان بكل قوة للعودة إلى فترة الحرب، خاصة أن إسرائيل ما زالت تحتل إلى اليوم منطقة أم الرشراش المصرية المعروفة إسرائيليًا باسم “إيلات” والتي تم افتكاكها بعد مجزرة قتل فيها أفراد شرطة مصريون وتم تحويلها في ما بعد إلى ميناء إيلات في عام 1952.

ورغم محاولات إحياء هذه القضية بعد الثورة المصرية في عام 2011 إلا أن اتفاقية كامب ديفيد حالت دون ذلك وفق العديد من المتابعين المصريين الذين يعتبرونها من أهم العراقيل التي شجعت إسرائيل على مواصلة التوسع في عدة دول عربية بعد إخراج القاهرة من دوائر الصراع العربي- الإسرائيلي.

بعيدا عن الدول العربية، إن القرارات الأميركية التي بدت مدروسة بشكل جيّد وليست ارتجالية مثلما يصف ذلك العديد من الخبراء، قد تكون أيضا بمثابة هدايا لقوى إقليمية أخرى لم تتقيّد بالقوانين الدولية وتسعى لمواصلة سياساتها التوسعية واحتلال أراض لا تتبعها، من ذلك روسيا التي تحتل شبه جزيرة القرم بعد التدخل العسكري في أوكرانيا، أو إيران التي تبحث عن فرص جديدة للمزيد من التمدد في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أنها تحتل ثلاث جزر إماراتية في أرخبيل مضيق هرمز بطريقة غير شرعية ومنافية للقوانين الدولية، أو تركيا التي تريد السيطرة على الأكراد بعد نهاية داعش.

وبدت موسكو من أكثر الدول الناقدة لخطوة الرئيس الأميركي بشأن الجولان، حيث قال ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية “الكرملين”، الثلاثاء “نأسف لهذا القرار الذي سيؤدي إلى نتائج سلبية، لقد اتخذت واشنطن خطوة أخرى تجاه انتهاك القانون الدولي”.

لكن رغم كل هذا الاعتراض فإن عدة تقديرات سياسية موازية، تشير إلى أن موسكو بدورها تريد توريط واشنطن في هذه الخطوة كي تحصل هي أيضا على اعترافات دولية ورسمية بسيادتها على شبه جزيرة القرم وهي خطوة ترفضها واشنطن وكذلك دول الاتحاد الأوروبي منذ أن قامت روسيا بتدخل عسكري في أوكرانيا عام 2014.