صحيفة شبوه نت

الغموض يكتنف مبادرة الجيش لعزل بوتفليقة

الغموض يكتنف مبادرة الجيش لعزل بوتفليقة

الجنرال أحمد قايد صالح يبقي باب التراجع مفتوحا للنأي بالعسكر عن أي ورطة.

الجزائر – يتطلع المتابعون للشأن الجزائري، إلى ما ستؤول إليه دعوة قائد أركان الجيش الجزائري الجنرال أحمد قايد صالح طويلا، لتفعيل البند الدستوري المعالج لحالة الشغور الرئاسي، من أجل حلحلة الأزمة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من شهر، لاسيما بعد الرسائل التوضيحية التي أردفت دعوته، وتأخر العملية المنتظرة، وإعلان حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم تأييد دعوة الجيش للجوء إلى الدستور لعزل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من أجل إنهاء أسابيع من الاحتجاجات ضد حكمه المستمر منذ 20 عاما.

وأطلق الجنرال أحمد قايد صالح، الأربعاء، في مقر الناحية العسكرية الرابعة بورقلة، رسائل توضيحية بشأن اللغط الذي أثارته دعوة التفعيل الدستوري لإثبات الشغور الرئاسي، خاصة بعد ردود الفعل القوية من طرف المعارضة السياسية وناشطي الحراك الشعبي، والتي تراوحت بين الرفض وبين التحفظ.

وأكد في تصريح له في مقر الناحية العسكرية، المحاذية للحدود الجزائرية مع ليبيا، أن “المؤسسة العسكرية لن تحيد عن مهامها الدستورية، وأن بعث الطمأنينة في نفوس أفراد الشعب له أهمية قصوى لدى الجيش، وهو يعرف اللحظة التي يغلب فيها مصلحة الشعب، وأن البلاد تعيش في محيط إقليمي متوتر”.

وعكس التوقعات التي أشارت إلى دخول أعضاء المجلس الدستوري في الاتصالات الأولية، بمجرد دعوة قائد أركان الجيش لتفعيل البند 102 من الدستور تحسبا لتفعيل حالة الشغور في مؤسسة الرئاسة، فإن العملية تأخرت عن توقيتها المناسب (الأربعاء)، الأمر الذي أثار شكوكا جديدة تنتاب مسار اقتراح المؤسسة العسكرية.

وكانت الأجواء جدّ عادية، الأربعاء، في محيط مبنى المجلس الدستوري، ولم يسجل شهود عيان أي حركة أو نشاط يوحي بأن شيئا مهما على وشك الحدوث، الأمر الذي يشير إلى عدم تبلور القرار الحاسم لتنحية أو تنحي بوتفليقة عن السلطة.

وكان حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الشريك في التحالف السياسي المؤيد لبوتفليقة، أول المنقلبين على الرئيس المنتهية ولايته، بدعوته الصريحة في بيان أصدره الأربعاء، الرئيس بوتفليقة إلى “تقديم استقالته”، كما وصف ناطقه الرسمي صديق شهاب في تصريح صحافي نظام بوتفليقة بـ”الورم السرطاني”.

ورحب التجمع الوطني الديمقراطي بدعوة قائد أركان الجيش إلى تفعيل البند 102 من الدستور، من أجل حلحلة الأزمة التي تتخبط فيها البلاد، لينضاف بذلك إلى عدة قوى سياسية استحسنت المبادرة.

وهو الموقف الانقلابي، الذي أضيف إلى تنحي رجل الأعمال القوي والنافذ في السلطة علي حديد، عن رئاسة تنظيم منتدى رؤساء المؤسسات، فضلا عن ترحيب أمين عام النقابة المركزية عبدالمجيد سيدي سعيد، بمقترح الجيش، وهو الذي كان من أشد الداعمين لبوتفليقة.

وتراوحت ردود الفعل السياسية حول المقترح الذي تقدم به الجنرال قايد صالح، بين الرفض وبين التحفظ، بسبب الشكوك التي اكتنفت دعوة تفعيل المبرر الدستوري، باعتباره يؤول إلى وجوه جديدة في السلطة خلال المرحلة القريبة، وهو ما يرفضه الحراك الشعبي الذي دخل شهره الثاني.

وكان حزب العمال اليساري صريحا في رفض اقتراح المؤسسة العسكرية، وبرر موقفه بأن “الدعوة ستؤول إلى تجديد آليات النظام عبر مؤسساته غير الشرعية”، في إشارة إلى الاحتفاظ الآلي للبند 102 من الدستور في حالة التفعيل، بالحكومة الحالية، وبغرفتي البرلمان، وبانتقال السلطة المؤقتة لرئيس مجلس الأمة عبدالقادر بن صالح.

وهو ما اعتبره حزب العمال، الذي أعلن، الأربعاء، عن استقالة كتلته النيابية من البرلمان، بالخطوة الخطيرة التي تتيح للنظام السياسي التجدد والالتفاف على مطالب الحراك الشعبي، عبر مؤسساته غير الشرعية “الحكومة والبرلمان”.

ومع ذلك ذهبت قوى سياسية معارضة وناشطون في الحراك الشعبي، إلى ضرورة تثمين مبادرة المؤسسة العسكرية، كنصر جديد لتجند الشارع من أجل الإطاحة بالسلطة وإجهاض مخططاتها، لاسيما ما يعرف بـ”القوة غير الدستورية”، ودعت إلى ضرورة الإبقاء على حالة التعبئة والضغط الشعبي، للحيلولة دون أي محاولة لإعادة إنتاج السلطة، تحت أي عنوان، على غرار ما حدث في السيناريو التونسي والمصري.

ويقول متابعون إن قائد أركان الجيش ترك هامش المناورة لصالحه، من أجل التصرف وفق المعطيات الجديدة في المشهد السياسي والشعبي، واختار مفرداته بعناية، فرغم الإجماع على نفوذ الجيش في القرار السياسي للبلاد منذ عقود خلت، وأن اقتراحاته هي بمثابة أوامر في قاموس الممارسة السياسية في البلاد، إلا أنه شدد على “الدعوة والاقتراح”، في خطاب الجنرال قايد صالح.

ويرى هؤلاء أن قايد صالح ترك لنفسه مجال التراجع عن تصوره، في حال اشتداد المقاومة الداخلية أو الضغوط الخارجية، وأبقى الأمر مجرد اقتراح كي لا يوظف في خانة الانقلاب أو تدخل الجيش في السياسة، ولكي يكون من السهل سحبه في حال لم يحظ بالإجماع ولو النسبي من قبل الطبقة السياسية والحراك الشعبي.

وتعتبر رسائله الأخيرة الصادرة أمس، بمثابة سحب غير معلن للمبادرة، وطمأنة جديدة لوقوف العسكر إلى جانب الشعب، يكون قد استشفها من رفض وتحفظ الطبقة السياسية والناشطين على اقتراحه، وتصاعد حملة التعبئة على شبكات التواصل الاجتماعي، من أجل مسيرة مليونية جديدة، غدا الجمعة، للتأكيد على مطلب “رحيل السلطة”.

وأكد المحامي والناشط السياسي مصطفى بوشاشي، أن “دعوة قايد صالح، هي تدخل للعسكر في الشؤون السياسية ومحاولة لتأهيل السلطة، فضلا عن كونها التفافا صريحا على مطالب الشارع الجزائري الداعي إلى تنحي ورحيل السلطة، وبناء جمهورية جديدة”.

وذهب ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى أن تفعيل البند 102 جاء متأخرا كثيرا، ولو أعلن في السنوات الماضية لكان ذا تأثير ومفعول في حلحلة الأزمة السياسية، وأما أن يأتي في أقل من أربعة أسابيع على انتهاء ولاية بوتفليقة، فهو محاولة للتلاعب بعقول الجزائريين.

ودعت حملة التعبئة للمسيرة المليونية السادسة، إلى تذكير المؤسسة العسكرية بتفعيل كل الدستور وليس بانتقاء بند فقط منه، وشدد على البنود؛ السابع، الثامن، التاسع، العاشر والحادي عشر، التي تشترك في السيادة الشعبية، وفي أن الشعب مصدر السلطة، وخدمة المؤسسات للشعب، ستكون حاضرة بقوة في اللافتات التي يجري الإعداد لها.

وهو نفس الموقف الذي ذهب إليه رئيس الاتحاد الديمقراطي والاجتماعي كريم طابو، الذي عبر عن رفضه لمقترح الجيش، ووصف اقتراح قايد صالح بـ”المناورة”، التي تستهدف اختراق الهبة الشعبية وتفكيكها، في حين اتهم رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس بـ”التدخل في الشأن السياسي”، ودعا بوتفليقة إلى تقديم استقالته.