صحيفة شبوه نت

الجيش الجزائري أمام قرارات مصيرية لا بد أن يتخذها

الجيش الجزائري أمام قرارات مصيرية لا بد أن يتخذها

المؤسسة العسكرية الجزائرية مطالبة بالمساعدة في المرحلة الانتقالية.

أمام تشتت الأفكار بشأن المرحلة الانتقالية وتضاؤل فرص التوافق بشأن تمثيل الحراك الشعبي، تزداد المخاوف في الجزائر من دخول البلاد نفقا طويلا من التجاذب السياسي الذي قد يعيدها سنوات إلى الوراء، ومع تواصل أزمة الحكم وتواصل الاحتجاجات المنادية بتغيير النظام، يسلط الضوء على دور الجيش الجزائري صاحب النفوذ القوي وصانع الرؤساء باعتباره عنصر استقرار في البلاد لإنقاذها من أزمتها ومدى تجاوبه مع صوت الشعب وأصوات معارضة دعته مؤخرا للمساعدة في إقرار مرحلة انتقالية.

مازالت جموع المحتجين، نساء ورجالا والكثير من الأطفال، في الجزائر ينشدون الأهازيج ذاتها التي تتردد منذ شهر من الاحتجاجات، للمطالبة بتنحي الرئيس بوتفليقة ومساعديه والنظام الحاكم.

ومع ترديدهم “شانيل فقط هي رقم 5”، في إشارة إلى العطر الفرنسي الشهير كوكو شانيل، فإن الملايين من الجزائريين من الرجال والنساء يتدفقون في شوارع الجزائر كل جمعة يكشفون حسن اطلاعهم على الأوضاع السياسية والإقليمية وتوجهات بلدهم الخارجية وذكاء لا يرتبط عادة مع حكومتهم. فهم يوجهون رسالة قوية للقوى الإقليمية الكبرى وتحديدا فرنسا بعدم السماح لها بالتدخل في شؤونهم الداخلية.

وينظر جيرانهم والكثير من الأوروبيين إلى الجزائريين على أنهم صارمون وعنيدون غالبا، لكن المظاهرات الأخيرة في الجزائر قدمت نموذجا إيجابيا للحركات الاحتجاجية وتميزت بالسلمية ولم تقع في فخ العنف والدماء التي طالت ثورات شعبية في بعض البلدان العربية والتي عرفت باسم “ثورات الربيع العربي”.

وبالإضافة إلى عدم استخدام العنف، فإن الدرس السياسي الأكثر أهمية يدونه الجيش الوطني الشعبي الجزائري، الذي لا يزال العمود الفقري للبلاد. ويقدم الجيش الجزائري نفسه منذ عام 1962 وريث أولئك الذين قاتلوا المستعمر الفرنسي في الحرب التي شكلت حجر الأساس للهوية الجزائرية الحديثة. وللجيش الجزائري نفوذ سياسي قوي فهو صانع الرؤساء ودائما ما كان يفوز المرشح الذي يختاره بمنصب الرئيس.

 ورغم أن الكثير من المتظاهرين ينتقدون نفوذ الجيش المتنامي، والكثير من أولئك المتظاهرين هم من الشباب الصغير الذي لا يعرف حرب التحرير (التي دارت في الفترة ما بين عامي 1954 و1962)، إلا أن ضبابية المرحلة الانتقالية مع قلق متصاعد من دخول البلاد في توترات أمنية واجتماعية، تجعل الجيش عنصر استقرار بالبلاد.

وهناك مخاوف حقيقية من إحياء النزعات العرقية بين قبائل الأمازيغ والقبائل العربية التي تتجدد مع كل أزمة، يصاحبها قلق من شبح عودة الإسلام السياسي المتطرف من خلال حث الشباب الجزائريين المغيبين على ارتداء ملابس أشبه بملابس المقاتلين الأفغان السابقين من أجل الحرية كما فعلوا في الثمانينات من القرن الماضي.

تصاعد مخاوف حقيقية من إحياء النزعات العرقية بين قبائل الأمازيغ والقبائل العربية التي تتجدد مع كل أزمة

 لكن هذا السيناريو يبقى مستبعدا ففي الاحتجاجات الأخيرة نبذ كل من المتظاهرين والشرطة هؤلاء الناس في الشارع وضحكوا منهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن سياسة فرّق تسد ستستمر إلى أن يتم التوصل إلى حل سياسي مؤقت. ولا يعرف أحد ما إذا كان القادة الشباب في المظاهرات سيظلون متحدين.

وإن تنازل الجيش عن البعض من مواقفه وأبدى بعض الانفتاح مع المحتجين، لكن إلى أي مدى سيكون مستعدا للمضي قدما وهل سيتوصل إلى مخرج من أزمة الحكم التي تغرق فيها الجزائر؟ وعليه يبدو الجيش مطالبا بخطوات مصيرية للحفاظ على مكانته بالمشهد السياسي قبل كل شيء.

ينبغي على الجيش تأجيل الانتخابات الرئاسية، لكن الأبعد من ذلك والتحدي الحقيقي بالنسبة له: هل سينجح في المرحلة القادمة في الحفاظ على ثقله كضامن للاستقرار الداخلي والاستقرار على حدود البلاد؟ صحيح أنه تمكن من ذلك في سنوات العشرية السوداء خلال الحرب الأهلية التي دارت رحاها في التسعينات من القرن الماضي، لكن ماذا عن المستقبل؟

ينبغي أولا أن يضمن الجيش أن أي مؤتمر يتعلق بالمصالحة الوطنية أو الرئاسة المؤقتة لا يتزعمه شخص ليست له سلطة دستورية للقيام بذلك. وقد يقوم بالتواصل مع مسؤولين كبار سابقين لا تشوب اعتمادهم الوطني التاريخي شائبة، مثل الرئيس السابق اليمين زروال، أو رئيس الوزراء الإصلاحي السابق مولود حرموش، أو وزير الشؤون الخارجية السابق أحمد طالب الإبراهيمي الذي ينحدر من أحد الأسر القومية الأكثر تميزا في البلاد. ويمكنهم، بالتعاون مع جزائريين آخرين وشباب يحظون بالاحترام الكبير، أن يساعدوا في الإعداد لإطار عمل دستوري جديد.

ويعرف الجيش الوطني الشعبي أنه يجب عليه أيضا تشجيع إصلاحات اقتصادية جريئة، وعليه أن يقدم لوائح للاشتراك مع القطاع الخاص تتماشى مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. كما يجب على الجيش وضع حد للريعية والممارسات الفاسدة مثل تلك التي يمارسها رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، والذي تمنع صلاته، التي تشبه صلات المافيا مع أخوة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، رواد الأعمال الحقيقيين من أمثال أولئك الذين يبنون ريدميد وسيفيتال ومجموعة الحسناوي من ممارسة أعمالهم.

والجيش الجزائري مطالب أيضا بعزل جميع الموظفين في قطاع النفط والغاز وشركة النفط والغاز الحكومية سوناطراك والذين عينهم وزير الطاقة السابق القوي شكيب خليل والذي تولى المنصب لفترة طويلة.

مخاوف من الدخول في نفق طويلمخاوف من الدخول في نفق طويل

وقد أدت علاقات خليل مع نائب رئيس الوزراء الأميركي السابق ديك تشيني وشركته هاليبورتون إلى اختلاس المليارات من الدولارات من عائدات النفط والغاز وتهريبها للخارج. وأجبرت فترة تولي خليل منصب وزير الطاقة الألوف من المهندسين على مغادرة سوناطراك والبحث عن عمل في الخارج وتشويه سمعة مصدر الدخل الأجنبي الرئيسي للجزائر.
وربما يتم إغراء بعض الضباط لانتهاج نموذج محسوبية مترسخ بصورة كبيرة في سياسات البلاد وفي الاقتصاد، مثل “النموذج المصري”. وتشعر الكثير من الدول الغربية وروسيا والصين بالراحة مع مثل هذا النظام، والذي يمكن أن يسمح بدخل مرتفع لطبقة القطط السمان الكبيرة من الضباط لأنها تسمح للقوى الأجنبية بإبرام صفقات سرية.
وعادة ما يتجنب الجيش الأكثر احترافية البعض من هذه الثغرات. وفي الحالة الجزائرية، فإنه قد يمنع بعض الشركاء الأجانب الكبار للبلاد –فرنسا وروسيا وإيطاليا بشكل خاص– من بعض أشكال الامتيازات والتي تشجع الفساد، كما هو الحال في أي مكان آخر.
لكن احتمال تأثر كبار المسؤولين، ليس فقط في الجيش، بالنفوذ الفرنسي لا مفر منه في ضوء الروابط التي تجمع بين البلدين منذ عام 1832. وعلى الرغم من ذلك، فإن جيشا أكثر احترافا من شأنه أن يتجنب صعود أشخاص إلى السلطة مثل اللواء العربي بلخير، والذي شارك، أثناء توليه منصب مستشار الرئيس الشاذلي بن جديد ومنصب وزير الداخلية في عام 1991، في الانتخابات الجزائرية والتي انتهت بحرب أهلية. وإن كان هناك في أي وقت مضى ما يطلق عليه الجزائريون حزب فرنسا، فقد كان بلخير هو رمز  هذا الحزب.
وإذا استطاع الجيش الوطني الشعبي إدارة الأسابيع القليلة القادمة بطريقة جيدة وتجنب التدخل في المسار السياسي بالبلاد، فسيصبح مركزه آمنا في ظل دعم الكثير من الجزائريين لضباطهم.
ومثلما أبدت قوات الشرطة احترافية عالية في إدارة الملايين من المتظاهريين، فإن الجيش ليس لديه ما يخسره من خلال التركيز على أفضل ما يفعله: وهو حماية الحدود الوطنية الأطول في المنطقة من أفريقيا المعرضة لمخاطر أمنية، ومشاركته بشكل نهائي في حكم وإدارة شؤون البلاد.
ومن شأن هذا الموقف أن يبعث الراحة في نفوس الجارين تونس والمغرب، بالإضافة إلى الدول المطلة على البحر المتوسط التي تشعر أنه إذا كانت الجزائر مرتبطة بحكم القانون بصورة كبيرة وأكثر حداثة فيمكن أن تصبح قوة للاستقرار في غرب البحر المتوسط.