ليبيا ما بين الغُولة وسلاّل القلوب

ليبيا.. ما بين الغُولة وسلاّل القلوب

إذا كنا عجزنا عن إنجاز اتفاق سياسي يكون منطلقا وقاعدة لأي انتخابات وإصلاحات، فكيف نتصور أن الانتخابات هي الحل، خصوصا وأن عناصر إسقاط تجربة انتخاب مجلس النواب لا زالت حاضرة في المشهد بل ازدادت ضراوة وتعقيدا.

العرب فتحي بن عيسى 

كلنا يردد بيقين أنه لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، وكلنا مقتنع بأن استخدام نفس الأساليب سيصل بنا إلى نفس النتائج. ومع هذا، نكرّر الخطأ المرة تلو الأخرى بتلذذ واستمتاع، لنحصد نفس النتائج دون أي شعور حقيقي بالمسؤولية، فقد تعوّدنا أن نجد بدل الشماعة الواحدة شماعات.

في عقلنا الباطن دائما هناك خيار بين سيء وأسوا، ولم نجرب قط الخروج من هذه الثنائية البائسة، ربما لأن هذا هو السهل المتاح الذي لا يتطلب عملا واعيا، ولا يرتب أي نتائج صدامية لهذا نسعى أن نبعد أنفسنا عنها عملا بالقاعدة الأصيلة المتأصلة فينا “اخطى راسي وقص” و“اللي يقعد في الدار يخلص الكراء” و“حط راسك بين الروس وقل يا قطاع الروس” و“اللي في الطنجرة تو ايجيبها المغرف”. مع أن هذه الطنجرة وما تحويه إما من وضعنا نحن، وإما من وضع سوانا، فإذا وضعنا فيها مكرونة مثلا، فلا تتوقع أن يأتيك “المغرف” ببيتزا. أما إن كانت الطنجرة من إعداد غيرنا، فمن السذاجة أن نتعامل معها دون أن نكلف أنفسنا أن نسأل من هو الطباخ وإلى أي مطبخ ينتمي. فهذه الأسئلة ستدفعنا لتشغيل عقولنا وهذا أمر متعب، لهذا نلجأ إلى الحل السهل، “اللي في الطنجرة توا ايجيبها المغرف”.

تماما كما تأسرنا مسلمة “خليك وراء الكذاب إلى الباب”، وهذا منتهى احتقار النفس والجحود بالنعمة الإلهية المسماة “العقل”، فطالما تعلم أنه كذاب وجربت كذبه، فكيف تتبعه وتضيع وقتك وجهدك، تاركا يقينك إلى شك غيرك، ثم تصرخ “ضحكوا علينا”، “كذبوا علينا”، “زلبحونا وخدعونا”.

الغريب إن هذه اللامبالاة تتلاشى عند شراء بطيخة مثلا، نعم عند شراء بطيخة بدنانير معدودة، حيث ترانا نستعين بخبير البطيخ لينتقي لنا واحدة ناضجة، ولا نكتفي باختياره لأنه ظن ونطلب من البائع “رشمها” لنقطع الشك باليقين ونضمن النتيجة.

أما عندما يتعلق الأمر بمستقبل بلدنا الذي يعني بالضرورة مستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا، بل وجودنا أصلا، فهذا الحرص “البطيخي” يختفي ليحل محله ورع مزيف وسلبية مدمرة ونردد ببلاهة “المكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين”. مناسبة هذه المقدمة هو ما يتداوله الإعلام الليبي عن استعدادات تجري للدعوة لانتخابات لا أدري بما أصفها مبكرة أم مؤجلة، تشريعية ورئاسية بحلول مارس 2018.

تعاني ليبيا انقساما لا تخطئه عين، فهي عمليا عدة دول تنتظر مغامرا يعلنها للعالم، فنفوذ كل حكومة لا يمتد إلى حيث تسيطر الحكومات الليبية الأخرى. وهذا الانقسام يستند إلى تفسيرات قانونية وتأويلات للنصوص، تسنده قوة مسلحة هنا، وأمم متحدة هناك، وتدخلات إقليمية هنالك.

في كل مرة يتم حشر الليبيين بين خيارين السيء والأسوأ، وفي كل مرة تكون النتيجة “هارب من الغولة طاح في سلاّل القلوب”.

لن أتوغل في التاريخ كثيرا، وسنبدأ مع المجلس الانتقالي، وقتها تم تصوير الانتخابات على أنها هي الحل وستنهي سطوة الإخوان المسلمين تارة، والميليشيات تارة أخرى، وبحّت الأصوات وقتها ودفعت أثمان لأجل أن لا نتبع الكذاب إلى الباب، فخلف الباب سرداب نهايته سراب.

أغلبنا إن لم يكن كلنا نتباهى اليوم بالراحل الأستاذ عبدالسلام المسماري الذي لم نمنحه أصواتا تؤهله لدخول المؤتمر الوطني العام وقتها، وسخرنا من دعوته إلى تعديل الإعلان الدستوري خصوصا المادة الثلاثين قبل فوات الأوان، فكانت السخرية منه ومن دعوته نصيبه ونصيب أمثاله، والشعار “المهم نتخلص من المجلس الانتقالي”، تماما كالشعار البائس “المهم الطاغية مات”، وكأن خصومتنا شخصية مع رأس النظام.

أجرينا الانتخابات متجاهلين الأصوات التي حذرت من قانون الانتخاب لكن شعار “اللي في الطنجرة توا ايجيبها المغرف” انتصر على نصيحة من أكل من نفس الطنجرة وحذر من مغبة تناول محتوياتها.

والنتيجة؛ ذهبت أصوات الناخبين سدى، ورغم أن الأغلبية عددا صوتت لتحالف القوى الوطنية، إلا أن قانون الانتخاب وقتها الساري المفعول حتى الآن لا يعير للأغلبية قيمة، ليجد التحالف ومناصريه أنفسهم في موقف حرج، ليدفع ثمنا باهظا نتيجة القاعدة الشاذة “خليك وراء الكذاب إلى أن تصل للباب”.

ثم تكرر وضع الليبيين في ذات الخانة، وبدأت دعوات لننتخب كي نتخلص من المؤتمر الوطني العام “ولن يأتي ما هو أسوأ من المؤتمر”، وذهب الليبيون إلى الانتخاب مرة أخرى مسلحين بذات القواعد الغبية “المهم المؤتمر لا”، و“اللي فيها حليب اتصيح”. وكالعادة تجاهلنا الأصوات التي حذرت من قانون الانتخاب، وطريقة احتساب الأصوات، وضرورة ضبط المصطلحات، وأهمية وجود أرضية قانونية تستند إلى توافق بين أطراف الصراع الذي كنا ننكره رغم وضوحه، وتجاهلنا تأمين مشاركة كل أو أغلب أطياف الشعب الليبي، لكن تحت ضغط “الناس تعبت” أجريت الانتخابات لندخل من باب الكذاب إلى سرداب الانقسام، فأصبح لدينا مؤسستين تشريعيتين وحكومتين تعامل معهما المجتمع الدولي، لنذهب بعدها إلى اتفاق سياسي ظننا أنه سينهي الانقسام ويوحد المؤسسات وإذ به ينتج جسما ثالثا، وها نحن على أعتاب الجسم الرابع.

أقول من واقع تجربتي بأنه واهم من يعتقد أن الانتخابات دون توفر شروطها واشتراطاتها ستنهي انقسام المؤسسات أو تنقذ الناس من ضنك المعيشة. فقبل مناقشة الإجراءات التنفيذية للانتخابات يجب توفر الشرعية لهذه الانتخابات، وإلا ستزيد الانقسام، وهذه الشرعية تستلزم الإجابة عن أسئلة من قبيل: من هي الجهة التي ستدعو للانتخابات؟ هل المؤتمر أم مجلس النواب أم مجلس الدولة أم المجلس الرئاسي أم مجتمعين أم الأمم المتحدة؟ من يملك قرار تكليف المفوضية العليا للانتخابات وبأي صفة سيكلفها؟ ما هو قانون الانتخابات الذي على أساسه سيتم الانتخاب؟ هل هو ذات قانون انتخاب مجلس النواب؟ أم قانون آخر؟ من سيعدله ومن سيصدره؟ وإلى أي مدى قواعد الانتخاب ستكون مقبولة من أغلب المواطنين؟ وهل الأغلبية العددية هنا تكفي؟ أم لا بد من توافق؟ وما طبيعته وما حدوده الدنيا؟ أم المغالبة هي الفيصل إلى حين؟ وما هي ضمانات مشاركة الجميع في هذه الانتخابات أم يكفي إجراؤها بمن حضر؟ على أي نظام انتخابي ستجرى الانتخابات؟ الصوت المتحول أم غير المتحول؟ القوائم المغلقة أم النسبية؟

إذا كنا عجزنا عن إنجاز اتفاق سياسي يكون منطلقا وقاعدة لأي انتخابات وإصلاحات، فكيف نتصور أن الانتخابات هي الحل، خصوصا وأن عناصر إفشال تجربة انتخاب مجلس النواب لا زالت حاضرة في المشهد بل ازدادت ضراوة وتعقيدا.

لا تعتقد أن المجتمع الدولي وهو اسم مبهم حتى الآن، سيغير قواعد تعامله معنا طالما نحن متمسكون بقواعدنا الذهنية البالية، فهذا المجتمع الدولي عندما صدر حكم المحكمة العليا بشأن الطعن في انتخابات مجلس النواب، أصدر بيانا لم تتم متابعته حتى اليوم، يومها قال “سندرس الحكم قبل أن ندلي برأي”، وها هي سنة وراء سنة تمر، ولا زال المجتمع الدولي يدرس، إلا أنه عمليا اتخذ موقفه تجاه الحكم- قبلنا به أم لم نقبل- فبعد أن كان الحوار بين نواب مقاطعين ونواب ملتحقين، أصبح تفاوضا بين المؤتمر والبرلمان، فهذا المجتمع الدولي لا يستطيع أن يجهر برفض حكم القضاء، والاحتكام للقضاء وارد للطعن في نتائج عمل هيئة الدستور بداعي انتهاء مدة عمله القانونية، وكذلك الطعن في نتائج أي انتخابات بداعي عدم شرعية الجهة الداعية لها.

فهل نتوقف عن دس رأسنا في الرمال كالنعام، ونتوقف عن منطق العناد ونتخلص من شعور المغالبة ومنطق الهروب إلى الأمام و”اللي في الدار يخلص الكراء”، لأن الكراء يتم دفعه دما وتهجيرا وقهرا ومهانة، ونتصرف بمسؤولية ونناقش مخاوف كل طرف وطموحاته، ونستبدل منطق “لنا الصدر دون العاملين أو القبر” بمنطق “الوطن أنا وأنت”، وقديما قيل “اللي جرب المجرب عقله مخرب” كي لا تدفعنا غولة واقعنا إلى الوقوع في براثن سلال القلوب.

كاتب وصحافي ليبي

فتحي بن عيسى


أضف تعليقاً